الركاب إذ يقتل بعضهم بعضًا
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الخوف: يخاف معه العبد أن يستجيب لدواعي شهواته المحرمة، فيتعرض لسخط الله -عز وجل-، ومِن ثمَّ لا يمكن لمن عَظـُم في قلبه الخوف من الله ومِن عذابه أن يقدم على قتل نفسه، وهو يعلم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) (متفق عليه).
وكيف يمكن أن يكون الحل عنده قتل غريمه وهو يعلم قوله -تعالى-: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (النساء:92) ؟!
المراقبة: وهي عبادة تمنع صاحبها من اقتناص شيء محرم من شهوة محرمة من طفلة ساذجة، أو مال عام لم يضبطه القائمون عليه؛ لأنه يعلم أنه إن لم يكن يَرى الله فإنه يراه.
كظم الغيظ: وهي عبادة ناتجة من حب الله والخوف منه ومراقبته، فلا يترك نفسه تحركه عند الغضب، بل لا ينتصر لنفسه إلا بمقدار ما يسمح به الشرع، وربما زاد حبه لله فقرر العفو عمَّن ظلمه: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) (آل عمران:134).
ستر العورة: ومَن عَظـُم لله حبُّها، وعَظـُمَ منه خوفـُها؛ لن تعرض نفسها وتكون فتنة للشباب لتنال استحسانهم؛ فتكون من "المميلات المائلات" كما وصفها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (رواه مسلم) .
عدم التسلط على رقاب العباد: ومَن عَظـُم خوفه من الله وعظمت مراقبته له؛ لن تدفعه قدرته على التسلط على رقاب العباد أو تعذيبهم وهو يعلم أن ذلكم يجعله من أهل النار، وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصنفين -المتبرجات وضاربي البشر- في سياق واحد؛ مما يدل على أن هاتين آفتان عظيمتان متى ابتلي بهما مجتمع؛ فقد تعرض للتفكك والانحلال، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ) (رواه مسلم).
معرفة حق الله في المال: وهو مما يمنع أصحاب الأموال من الظلم والتكسب من حرام عن طريق الربا، والميسر، وأكل حق الأجير، وهو مما جاء فيه الوعيد الشديد.
وعدم السفاهة في إنفاق المال في حرام: ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) (النساء:5).
وفي الجملة: فإن إحياء الدعوة إلى الإيمان بمعانيه الشاملة هو الطريق الوحيد لعودة الأمن المفقود.
وإن تطبيق الشرع بمعناه الشامل هو المسلك الوحيد من المعيشة الضنك: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (طه:124).
وإن إحياء سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الطريقة المُثلى لإيقاف العقاب الجماعي الذي يصيب المجتمعات التي تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).
وإذا ما تركنا هذه الشعيرة؛ فلن يقتصر الأمر على حافلة واحدة يقتتل أصحابها؛ بل إن ركاب سفينة المجتمع ككل سوف يستمرون في هذا الهرج؛ فريق يقتتل بغضبه، وفريق يخرق السفينة بسفهه، وليس منهم رجل رشيد!
كما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك المثل بقوله: ( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا؛ فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ) (رواه البخاري) .
نسأل الله أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.