شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لكن الغنى غنى النفس

ماهر السيد • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثير من الناس يظن أن الغنى ليس إلا كثرة المال من نقود وأسهم وعقارات وتجارات وغيرها، وعندهم أن من ليس كذلك فليس من أهل الغنى، لكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يلفت الأنظار إلى المعنى الحقيقي للغنى حين يقول: ( لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ؛ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ) (متفق عليه) .

فكم من الناس عنده من أصناف المال الكثير، لكنه يعيش فقرًا حقيقيًا، فتراه دائمًا خائفًا مهمومًا، يسعى في زيادة ماله؛ خوفًا من الفقر، يبخل بالنفقة في أوجه الخير حتى لا يقل ماله، بل ربما قطع رحمه لنفس الأسباب، كما تراه متطلعًا إلى ما عند الآخرين، فمثل هذا يعيش فقرًا دائمًا ملازمًا له؛ لأنه لم يرض بما قسمه الله -تعالى- له، ولأن الدنيا في قلبه قد استقرت.

عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ- وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُنَا: نَرَاكَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ، فَقَالَ: ( أَجَلْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ )، ثُمَّ أَفَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ: ( لاَ بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

إياك والتطلع لما في أيدي الناس

فإن الله -عز وجل- يقول: ( وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (طـه:131) ، وها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، معناه: اقنع بما أعطاك الله، وجعله حظك من الرزق؛ تكن أغنى الناس؛ فإن من قنع استغنى.

ولنتذكر هنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

وإذا رأيت من هو أكثر منك مالاً وولدًا فاعلم أن هناك من أنت أكثر منه مالاً وولدًا؛ فانظر إلى من أنت فوقه، ولا تنظر إلى من هو فوقك، وإلى هذا أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ( انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) (رواه مسلم) .

للناس شأن ولك شأن

فالمسلم يعلم أنه وجد في هذه الدنيا لغاية عظيمة وهدف نبيل سامٍ؛ ألا وهو عبادة الله -تعالى-، وتعبيد الخلق للخالق -سبحانه-؛ ولهذا فإنه لا يتجاوز بالدنيا حدها؛ فهي عنده وسيلة وليست غاية، وعلى هذا المعنى العظيم ربى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه -رضي الله عنهم-، وهذه قصة ربعي بن عامر مع رستم شاهدة على المعنى السامي والهدف النبيل، فقد طلب رستم من سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أن يبعث إليه رسولاً يفاوضه قبل أن يبدأ القتال في معركة القادسية، فأرسل إليه المغيرة بن شعبة، فكان مما قاله لرستم: "إنا ليس طلبنا الدنيا؛ وإنما همنا وطلبنا الآخرة".

ثم بعث إليه سعد رسولاً آخر، وهو ربعي بن عامر، فدخل عليه، وقد زينوا مجلسه بالنمارق -الوسائد- المذهبة والحرير، وأظهروا اليواقيت واللآلئ الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، فقالوا له: "ضع سلاحك"، فقال: "إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت"!

فقال رستم: "ائذنوا له"، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرقها، وكأنه يقول لهم عمليًا: "دنياكم هذه لا تغرنا فضلاً عن أن تشغلنا"، فقالوا له: "ما جاء بكم؟".

قال: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله"، قالوا: "وما موعود الله؟"، قال: "الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي".

سبحان الله..! إنه وهو فقير لا يكاد يجد من الدنيا شيئا يتكلم عن غايته في هذه الدنيا، ومنها: إخراج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة!

لقد كانت الدنيا إن أصابوها فهي في أيديهم وليست في قلوبهم، ولهذا لما طلب منهم النفقة بذلوا غير خائفين من الفقر أو القلة، فقد جاء عمر -رضي الله عنه- بنصف ماله، وجاء الصديق -رضي الله عنه- بماله كله، وجهز عثمان -رضي الله عنه- جيش العسرة.

فقر القلوب هو الداء

فقد جاء في بعض روايات هذا الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟ ) قال: قلتُ: "نعم يا رسول الله"، قال: ( أَفَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرُ؟ )، قال: قلت: "نعم يا رسول الله"، قال: ( إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني) .

ولهذا فإن من كان فقير القلب قد لا يبالي أربح المال من حلال أم من حرام، قد يغش في تجارته، أو يسرق إن سنحت له فرصة، أو يأخذ الرشوة؛ لأن حب الدنيا قد استقر في قلبه؛ فأفسد عليه هذا القلب، ومنعه القناعة بما رزقه الله -تعالى-.

الصفحة التالية