شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لكن الغنى غنى النفس

ماهر السيد • التزكية

وليس معنى كلامنا أن يمتنع الناس عن العمل والتكسب ومحاولة تحقيق الغنى بأوجه الكسب الحلال الطيب؛ فإن القناعة لا تمنع التاجر من تنمية تجارته، ولا أن يضرب المسلم في الأرض يطلب رزقه، ولا أن يسعى المرء فيما يعود عليه بالنفع؛ بل كل ذلك مطلوب ومرغوب؛ وإنما الذي يتعارض مع القناعة أن يغش التاجر في تجارته، وأن يتسخط الموظف من مرتبته، وأن يتبرم العامل من مهنته، وأن ينافق المسئول من أجل منصبه، وأن يتنازل الداعية عن دعوته أو يميِّع مبدأه رغبة في مال أو جاه، وأن يحسد الأخ أخاه على نعمته، وأن يذلّ المرء نفسه لغير الله -تعالى- لحصول مرغوب.

وكم من صاحب مال وفير وخير عظيم رُزق القناعة! فلا غشَّ في تجارته، ولا منع أُجَراءه حقوقهم، ولا أذل نفسه من أجل مال أو جاه، ولا منع زكاة ماله؛ بل أدى حق الله فيه فرضًا وندبًا، مع محافظةٍ على الفرائض، واجتناب للمحرمات، إن ربح شكر، وإن خسر رضي، فهذا قنوع وإن ملك مال قارون.

وكم من مستور يجد كفافـًا ملأ الطمع قلبه حتى لم يرضه ما قُسِم له! فجزع من رزقه، وغضب على رازقه، وبث شكواه للناس، وارتكب كل طريق محرم حتى يغني نفسه، فهذا منزوع القناعة وإن كان لا يملك من الدنيا إلا القليل.

السلف وغنى النفوس

ذكرنا فيما سبق أن الصحابة -رضي الله عنهم- كان غناهم في قلوبهم، فلم تأسرهم الدنيا، ولم يركنوا إليها، وعلى هذا قاموا بتربية من بعدهم؛ فكانت الثمار طيبة -بإذن الله-.

فقد أوصى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- ابنه فقال: "يا بني، إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة؛ فإنها مال لا ينفد".

وسئل أبو حازم فقيل له: "ما مالك؟"، قال: "لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة باللّه، واليأس مما في أيدي الناس".

وقيل لبعض الحكماء: "ما الغنى؟"، قال: "قلة تمنيك، ورضاك بما يكفيك".

وكان محمد بن واسع -رحمه اللّه تعالى- يبل الخبز اليابس بالماء ويأكله، ويقول: "من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد".

وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم -رحمه اللّه تعالى- يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه، فكتب إليه: "قد رفعت حوائجي إلى مولاي، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك منها عني قنعت".

ويقول عامر بن عبد قيس: "أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتهن مساء لم أبال على ما أمسي، وإذا تلوتهن صباحًا لم أبال على ما أصبح:

- ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (فاطر:2) .

- ( وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) (يونس:107) .

- ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (هود:6) .

- ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) (الطلاق:7) ".

ما أجمل القناعة!

من التزمها نال السعادة، وما أحوج أهل العلم والدعوة للتحلي بها؛ حتى يكونوا أعلام هدى ومصابيح دجى، ولو تحلى بها العامة لزالت منهم الضغائن والأحقاد، وحلت بينهم الألفة والمودة؛ إذ أكثر أسباب الخلاف والشقاق بين الناس بسبب الدنيا والتنافس عليها، وما ضعف الدين في القلوب إلا من مزاحمة الدنيا له، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: ( مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ) (متفق عليه) .

ولذلك كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .

قال النووي -رحمه الله- عن قوله: ( وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ ): "استعاذة من الحرص والطمع والشَّرَه، وتعلق النفس بالآمال البعيدة".

جعل الله -تعالى- غنانا في قلوبنا، ووقانا جميعًا الطمع والبطر، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصبه أجمعين.

الصفحة السابقة