البزنس إذ يعمي صاحبه
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعند تقييم الأشخاص هناك معيار عام يُقيَّم به كل الناس، وهناك معيار يقيم به الأشخاص الأفذاذ بحيث يقومون بالنسبة للائق بهم .
ومِنْ ثمَّ.. فقد يُعتبر الحاصل على مجموع خمسة وتسعين بالمائة مثلاً متفوقًا بالمعايير العامة، بينما قد ينال بعض من يحصل على هذا المجموع نقد ما موجه من أبيه أو أستاذ له؛ لأن المؤمَّل منه كان أكثر من ذلك.
فإذا اتضح هذا المثال انجلى الغبار عن كثير من المواطن التي يثيرها البعض بسوء فهم أو سوء قصد أو كليهما معًا.
ويعتبر أن هذا اللوم المذكور في مثالنا دليل إدانة لهذا الطالب المتفوق، وفي هذا يقول القائل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، أي: ما يقبل من الأبرار قد يكون دون المقبول من المقربين، وبالتالي يُعتبر سيئة في حقهم بهذا الاعتبار.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما ورد في الكتاب والسنة من لوم لام الله به على بعض أنبيائه ورسله، فإنه كله دائر بين الاجتهاد والنسيان؛ فلام الله رسله على الخطأ في الاجتهاد كما في قصة الأعمى، وأسرى بدر مع النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ولام بعضهم على النسيان كما في حالة آدم -عليه السلام-، وفرض على موسى -عليه السلام- رحلته مع الخضر؛ لإخباره عن حقيقة أنه أعلم أهل الأرض دون أن يثني على الله بهذا الفضل، حتى وإن كان هذا الكلام قد خرج منه جوابًا لسؤال.
وفي هذا الباب قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ) (متفق عليه) ، قال نافع -رضي الله عنه-: " فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ".
ومِنْ هذا جاء عتاب الله -عز وجل- لصحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (الحديد:16).
أنزل الله ذلك العتاب على صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة والأمن؛ ففشا فيهم شيء من المزاح، وهو مما لا يحرم لا سيما لمن كان في مثل ما كانوا فيه من شدة وبطش، وهو أشبه ما يكون باستراحة المحارب -كما يقولون-؛ بيد أن اللائق بمثل هؤلاء الأفاضل ألا يبحثوا عن الراحة إلا في الجنة، فكان هذا العتاب من الله لهم.
لقد كان العتاب على قدر المعاتَب، ومن عَلِم قدر الصحابة -رضي الله عنهم- سهل عليه فهم النكتة في المسألة؛ فهم الذين جعل الله إيمانهم ميزانًا لإيمان مَن بعدهم حيث قال: ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) (البقرة:137).
وهم الذين رضي الله عن علمهم وعملهم، وشهد بامتلاء قلوبهم رضًا بشرع الله وقدره؛ فقال: ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (المائدة:119).
وهم الذين جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- سنتهم لازمة لمن بعدهم، قارنًا إياها بسنته حيث قال: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ) (رواه أبو داود والترمذي).
وقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أكثر الصحابة فهمًا لمقاصد التشريع، وعملاً بها وتطبيقًا لها، ومِن ثمَّ عامل نفسه وعامل صحابة رسول الله بنفس المسلك الذي رباهم عليه الشرع حتى يغلق أي باب شبهة يمكن أن يتمسك به منافق أو زنديق أو جاهل مِن بعدهم، وكان يعلم أن الصحابة -رضي الله عنه- موافقون له فيما يأخذهم به من شدة.
وعلى سيرة عمر سار حفيده عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- الذي أخذ نفسه بأشد درجات الورع؛ ففرض لنفسه من بيت المال أقل القليل مما كان لا يكفي لشراء زوجته الحلوى، فلما دبرت من هذا القليل لشراء الحلوى خفض عمر بن عبد العزيز مما فرضه لنفسه بمقدار ذلك الجزء المدخر طالما أنها تقدر على ادخاره.
وذلك أن الأمر لا يقتصر على الصحابة -رضي الله عنهم-، بل يجوز لمن أراد المبالغة في الخير أن يتوسع في إلزام خاصته وأهل بيته الفضيلة الزائدة عن الواجب، إذا علم أنهم يطاوعونه، وأنهم يرغبون في ما يربيهم عليه من مكارم الأخلاق.
وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار؛ فتوسل كل منهم بأرجى عمل له، فكان مما توسل به أحدهم تلك الدرجة العالية من البر التي ربَّى عليها أبناءه حتى أنهم باتوا ذات ليلة جائعين انتظارًا لاستيقاظ الجد والجدة حتى استيقظا وشربا من الحليب الذي رجع به الأب، حتى شبعا ثم تقاسم الأب والأم والأولاد الباقي.
وإذا تقرر هذا.. فلننظر الآن هذه التساؤلات:
هل يمكن لرجل مفرط على نفسه يقضى حياته كذبًا وزورًا ومزاحًا، كذبه أكثر من صدقه، أن يقول: إنه هو والصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك سواء؛ لأن الله عاتبهم على المزاح؟!
بل هل يمكن لامرأة مبذرة مسرفة تدفع زوجها إلى نهب المال العام وإلى أكل الحرام أن تحتج أنها وزوجة عمر بن عبد العزيز في ذلك سواء؟!
أم يمكن للراسب في الامتحان أن يزعم أنه وذاك المتفوق الملام سواء؟!
بل هل يمكن لبغي أن تقيم الأفراح وتنصب الزينات لتعلن أنها قد نجحت في مقصودها ونالت مرادها، وهو: "أن تزني النساء جميعًا" إذا ما سمعت من يعظ النساء في المسجد ألا يرفعن أصواتهن خشية أن يسمعهن الرجال؟!
من المعلوم قطعًا أن مثل هذه الأحوال لا تصدر قطعًا إلا ممن فقد عقله.. أو فقد حياءه.. أو فقدهما معًا!
ولكن هذا ما حدث فعلاً.. ! وتحديدًا في جريدة الدستور الصادرة يوم الثلاثاء 22 يونيو 2010م، وفي مقال لرئيس تحريرها "إبراهيم عيسى" بعنوان: "بزنس أبي هريرة".