شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

البزنس إذ يعمي صاحبه

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

تدور فكرة المقال حول التعليق على قضايا الاستيلاء على المال العام المثارة حاليًا، بالتذكير أن عمر -رضي الله عنه- قد ضرب أبا هريرة -رضي الله عنه-، ونزع عنه ماله؛ لما وجد أنه تربح من ولايته، واعتمد الكاتب على رواية متهالكة لم يذكرها المؤرخون إلا لبيان عورها! فنقلها ودمج معها ترجمة عامية سوقية من جنس "البزنس" وخلافه، من اللغة التي يبدو أن الكاتب لا يجيد غيرها!

هذا وقد أحسن الدكتور "عبد الرحمن البر" -أستاذ الحديث في جامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين- عندما دبج مقالة علمية رصينة في الرد على الكاتب منوهًا بأنه استمد هذه الروايات المغلوطة من افتراءات الشيعة وغيرهم من الطاعنين على أبي هريرة، وبعد أن بيَّن تهافت الرواية التي استند إليها كاتب الدستور ساق القصة المسندة الصحيحة، فقال: " أخرج ابن سعد بسند صحيح في "الطبقات الكبرى 4/335"، وأبو نعيم في حلية الأولياء "1/380- 381"، وعزاه ابن كثير في "البداية والنهاية" لعبد الرزاق:

"عن محمد بن سيرين: أن عمر استعمل أبا هريرة -رضي الله عنه- على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرتَ بهذه الأموال يا عدوَّ الله وعدوَّ كتابه! فقال أبو هريرة: فقلت: لستُ بعدوِّ الله وعدوِّ كتابه، ولكني عدوُّ مَنْ عاداهما، قال: فمن أين هي لك؟ قلت: خيلٌ نَتَجَتْ، وغَلَّةُ رقيقٍ لي، وأَعْطِيةٌ تتابعتْ، فنظروا فوجدوه كما قال.

فلما كان بعد ذلك دعاه عمر؛ ليُوَلِّيَه، فأبَى، فقال: تَكْرَهُ العملَ -يعني الولاية- وقد طلب العمل مَنْ كان خيرًا منك، يوسفُ -عليه السلام-؟ فقال: يوسف نبيٌّ ابنُ نبيٍّ ابنِ نبيٍّ، وأنا أبو هريرة ابن أميمة- اسم أمِّه-، وأخشى ثلاثاً واثنتين، قال: فهلاَّ قلتَ خمسًا؟ قال: أخشى أن أقولَ بغير علمٍ، وأقضيَ بغير حكمٍ، وأن يُضْرَبَ ظهري، ويُنْتَزَعَ مالي، ويُشْتَمَ عرضي". اهـ من مقال الدكتور البر بعنوان: "إبراهيم عيسى وأبو هريرة.. مرة أخرى" (1) .

كان يمكن أن نتعامل مع الكاتب كغيره من حطاب الليل الذين يملئون السهل والوادي، فننبهه إلى خطئه في حق صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممثلين في أبي هريرة -رضي الله عنه- ناصحين إياه أن "يحاول" قدر "جهده"، أو قدر "فهمه" أن يلم ولو إلمامًا مجملاً بقواعد نقد الأخبار، وتمييز مقبولها من مردودها.

بيد أن بصمة "البزنس" في المقالة أوضح بكثير من بصمة الجهل! وجريمة القصد إلى الطعن في الصحابة أظهر من أن تخفف بجريمة الجهل بالتاريخ! وذلك للأسباب التالية:

أولاً: لو كان مقصود الكاتب هو إبراز نموذج محاسبة العمال "الموظفين العموميين بمصطلح هذا الزمان"، ونعي غيابه في هذا الزمان؛ لوجد لذلك عشرات العناوين مثل: "عدل عمر"، أو "هدي عمر في محاسبة الولاة"، أو "الحفاظ على المال العام في عصر الخلافة الراشدة"، أو "الخلافة الراشدة وتطبيق قاعدة من أين لك هذا مع الولاة"، أو "عدم جواز قبول الولاة للهدية في الدولة الإسلامية".

وكل هذه عناوين من المفترض أنها أقرب للمقصود من عنوانه المنصب تمامًا على ذم أبي هريرة -رضي الله عنه-!

ولو أن الكاتب فعل هذا لأدى الغرض المقصود، وربما غفر له الناس جهله بالحديث والتاريخ؛ اعتمادًا على حسن قصده، أو ربما بيَّن له البعض الرواية الصحيحة التي تدل على عدل عمر -رضي الله عنه-، ولا تدين أبا هريرة -رضي الله عنه-، وهي رواية يميل المحب للصحابة -رضي الله عنهم- إلى تصديقها -وإن لم يصح سندها-؛ فكيف إذا كانت صحيحة السند بينما الأخرى لا سند لها البتة؟!

ثانيًا: الكاتب له تاريخ طويل في "بزنس" بيع الدين بعَرض من الدنيا قليل، وبالتالي فقد حول جريدته "العالمانية" للدفاع عن كل ما يهدم دين الأمة!

فمن جهة بيع دينه للشيعة؛ فقد خصص الكثير من برامجه في الفضائيات في الطعن في الصحابة، والنبش في الروايات المتهالكة التي فيها طعن فيهم، وكأن معيار القبول والرد عنده هو ذاك؛ فكلما كانت الرواية أكثر طعنًا في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلما كانت عليه بردًا وسلامًا، وأما جريدته فتبنت الأجندة الشيعية السياسية والمذهبية حتى حجب مقالاً سياسيًا ينتقد فيه كاتبه سلوك إيران السياسي، وعندما تشجع وكتب ما ينفي به عنه نفسه تهمة التشيع كتب مقالاً مليء بالثناء على الشيعة مذهبًا وعلى إيران دولة، وكال الذم والقدح للسنة التي يزعم الانتماء إليها، واستعمل مصطلح "الوهابية" -التي لا تَرقى عنده أن تكون مذهبًا يحق لمن شاء أن يتبعه كما فعل مع الشيعة-؛ لكي يطعن من خلاله على السنة ككل.

ولا تسأل: أين العالمانية التي يدعيها في وجه كل من يطالب بالدعوة إلى السنة إذا كان فيما يتعلق بالشيعة قد جعل نفسه أحد "آيات الله"؟! ولا تعجب.. ! فإنه "البزنس" الواضح الجلي، لا "البزنس" الذي لا تجده إلا في روايات التاريخ الساقطة.

ثالثًا: بعدما أثبت "إبراهيم عيسى" براعته في "بزنس الشيعة"، اختبر "ساويرس" ولاءه؛ فوجد شخصًا "البزنس" عنده فوق كل اعتبار؛ فعينه عنده في فضائيته؛ ليواصل الطعن في دين الأمة، والدفاع عن الكنيسة حتى في مواقفها السياسية!

حتى وهي تتحدى القانون وترفض تطبيقه؛ وجدنا المناضل "العالماني " يحنى رأسه -كهيئة من يلتقط الدراهم من على الأرض-، ويعلي مفاهيم كنيسة العصور الوسطى، ويرفع لها القبعة!

بل إن الرجل استطاع أن يرتدي ثوب المناضل السياسي عن طريق معارضته "للتوريث"؛ بيد أنه متى أيدت الكنيسة التوريث أصيب صاحبنا بصمت أصحاب القبور.

ومن هذا العرض نخلص إلى أن "إبراهيم عيسى" أراد أن يضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد:

الأول: ارتداء ثوب المناضل السياسي الذي يكشف فساد رجال الحكومة .

الثاني: ارتداء ثوب العميل الشيعي الذي يطعن في الصحابة.

الثالث: تقديم فروض الطاعة والولاء لـ"ساويرس"؛ لعله يرفع راتبه الشهري أكثر من الراتب الحالي -الذي يبلغ أربعين ألف جنيه وفق ما أوردته جريدة "المصريون" الإلكترونية-.

رابعًا: قد يعترض على ما سبق بأن القصة فيها ثناء على عمر -رضي الله عنه-، وهذا يخالف مذهب الشيعة، ولا يخدم المنصِّرين، وأن هذه القراءة منا مجافية للواقع!

الصفحة السابقة الصفحة التالية