حوارات الإسلاميين وآفات التواصل (2-2)
علاء الدين عبد الهادي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي مقال سابق عرضنا لحاجة الأمة لوجود حوار رشيد بين اتجاهات الصحوة الإسلامية، ورصدنا بعضًا من الآفات المجهضة لمحاولات الحوار البناء -إن وجد-، وكان جل التركيز حول القواعد الفكرية والمنطقية في الحوار، وهنا نستكمل ما قد بدأناه منبهين على أخلاق هذا الحوار المأمول، وما ينتظر من سلوكيات المسلم الملتزم بدينه مع كل أحد؛ لا سيما إخوانه أبناء الصحوة .
وأول ما نستفتح به قوله -تعالى -
وقولوا للناس حُسنـًا
( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: ( إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا ) (متفق عليه) .
ومفردات: كالسباب، والشتائم، والغيبة، والنميمة، والتنابذ بالألقاب، والاستهزاء، والسخرية، وسوء الظن، والهمز واللمز، وعدم التثبت ونحو هذا كله مفردات لا تعرف طريقها للمسلم فضلاً عن الملتزم؛ فضلاً عن استخدامها مع شخص حريص على الخير، محب لله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، يدافع عما يراه حقـًّا وإن كان مخالفًا لك، ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ) (الإسراء:53) .
وإن مما يندى له الجبين أن نرى من بعض إخواننا، بل مِنْ بعض المشايخ المكرمين مَن يحتدون على مخالفيهم بأقذع ما يكون مِن سباب صريح، وهمز ولمز، وادعاء بلا بينة، فهل ينتظرون من مخالفيهم إلا كل صد ونفور؟! وهب أنه على حق ومخالفيه على أشد الباطل؛ أفما كان أجدر به أن يكون كموسى وهارون -عليهما السلام- حينما أمرهما ربهما في محاورتهما مع عدو الله فرعون: ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) (طه:44) ، و( إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ) (رواه مسلم) ، فعليك بزينة الكلام يا زينة الكرام، ويوضحه أيضًا :
أطايب الثمر:
الألسنة مغاريف القلوب، والقلوب محل نظر الله -تعالى- من العبد، وحسن الكلام بِنية صالحة عبادة وقربة، وسبك الكلام علامة على رقي الفكر ورجاحة العقل، وللكلمة واللفظة أثر كبير وخطر عظيم؛ فدخول الإسلام يكون بكلام، والخروج منه قد يكون أيضًا بكلام، ودعوة الأنبياء كلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلام، ورب كلمة قتلت صاحبها أو أنجته! ورب كلمة كانت أشد على إنسان من جراحات السيوف وألم الأبدان! فتخير لفظتك -يرحمك الله- وأحسن كلامك مع الناس وإن خالفوك، وفكر فيها مرتين قبل أن تقولها مرة، وتخير اللفظة المناسبة للمعنى المناسب، ولا تكن ألفاظك أحجارًا صماء غليظة تجرح بها وتكسر وتهشم؛ فتضر ولا تنفع، وتفرق ولا تجمع، وتفتن ولا تهدي، واعلم أنه بين اللباقة والحماقة وبين الشجاعة والتهور شعرة، فلا تقطعها، ولا يختلطن عليك الأمر، وما يضرك لو غلفت المعنى الشريف بلفظ لطيف تستحسنه الأنفس وترق له القلوب؟!
لا تقل: "أنت لا تفهم"، ولكن قل: "لعلي لم أوضح لك ما أردت" .
ولا تقل: "أنت أخطأت في كلامك"، ولكن قل: "لعلك تحتاج لمراجعة موقفك" .
ولا تقل: "أنا ضدك"، ولكن قل: "لي موقف مختلف" .
ولا تقل: "عليك أن تفعل كذا وكذا"، ولكن قل: "لو فعلت كذا لكان خيرًا وبركة ."
ولا تقل شرًّا فتندم، وقل خيرًا تغنم من قبل أن تندم؛ فإن أكثر خطايا ابن آدم في اللسان .
ولك في القرآن الكريم والسنة المشرفة وأخلاق الصحابة وسير السلف ما تهتدي به وتسترشد في حسن المعنى، وجزالة اللفظ، ولطف المنطق .
هلك الناس !
حينما تسمع أحدًا يقول: "كل الناس"، و"أغلب الرجال"، و"معظم النساء"، ونحو هذا... مدحًا أو ذمًّا؛ فاعلم أن هناك احتمالاً كبيرًا لوجود نوع من المبالغة فيما يذكر، وكثير من الناس لم يعتادوا ضبط موقفهم وردود أفعالهم بميزان واضح دقيق، وما من ميزان أحكم ولا أعدل من ميزان الشريعة، وحينما يرى الإنسان نفسه عظيمًا والآخر ضالاً حقيرًا؛ فلا تستغرب كلامه حين يقول: "هلك الناس"! عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ ) (رواه مسلم) ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: "لاَ أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ" .
( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ... ) بمحض زعم منه؛ ( فَهُوَ أهلكُهم ) وأسوؤهم حالاً .
نخلة ونحلة
كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا بالطوبِ يُرمى فيرمي أطيب الثمر
والنخلة ( شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ ) (متفق عليه) ، ويا لها من شجرة نافعة في كافة جوانبها للناس جميعًا؛ فكن مثلها لا تنقطع بركتها ( أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ) (إبراهيم:24-25) .
وكن ?كذلك ( كَمَثَلِ النَّحْلَةِ؛ أَكَلَتْ طَيِّبًا، وَوَضَعَتْ طَيِّبًا، وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِر ولم تُفْسِد ) (رواه البيهقي والطبراني، وصححه الألباني) .
ولا تكن كبشار بن برد الذي قيل فيه أنه كان من سعادة المرء في زمان بشار ألا يعرف بشارًا، ولا يعرفه بشار؛ وذلك لسلاطة لسانه !
كذلك لا تكن "لَحْمَ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، لا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى، وَلا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ" (متفق عليه من حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة أم زرع) .
أأعمى أنت؟ !
إن لله -تعالى- عبادًا شغلهم عملهم عن الخوض بالباطل، وشغلتهم عيوب أنفسهم عن عيوب الناس، وشغلهم ذكر الله عن إيذاء عباد الله، والغضب لله عن البحث عن حظوظ النفس، وشغلهم استحضار عظمة ربهم عن رؤية أنفسهم فضلاً عن الانتصار لها .