حوارات الإسلاميين وآفات التواصل (2-2)
علاء الدين عبد الهادي • قضايا معاصرة
قيل: إن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- كان يمشي ليلاً في الطرقات، فمر بجانب المسجد، فلم ينتبه لرجل نائم، فضغط عليه برجله، فغضب الرجل وقال ثائرًا: "أحمار أنت ؟!"، فرد عليه عمر وقال: "لا؛ أنا عمر"، فمشى ومض ى!
فغضب خادم عمر بن عبد العزيز وقال: "لقد شتمك يا أمير المؤمنين " !
فما كان من هذا الراشد الحليم إلا أن قال: "لا؛ هو سألني أحمار أنت؛ فقلت: لا؛ أنا عمر".
وإنما ( الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ) (رواه الدراقطني، وحسنه الألباني) .
إليك عني ..
وفي الوقت الذي ينشغل الناس بأنفسهم وحروبهم الصغيرة يرتفع الجندي المخلص لأمته ودينه عن هذه الترهات، وبينما يخوض الناس مع كل خائض إلا أنه يعلم أنه حارس يسهر على الثغور مترقبًا، تشغله الأمور العظام، والمتأمل لحال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الأمين الحريص على أمته يجد ذلك جليًّا واضحًا في حياته -صلى الله عليه وسلم-، وحسبك موقف واحد نعلمه جميعًا؛ فعن أنس -رضي الله عنه- قال: مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: ( اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي )، قَالَتْ: "إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي"، وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا: "إِنَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"؛ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: "لَمْ أَعْرِفْكَ"، فَقَالَ: ( إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى ) (متفق عليه) .
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما سمع مقالتها التي لا تليق نحوه -صلى الله عليه وسلم- ما كان منه إلا أن تركها ولم يغضب ولم يثر، ولما علمت المرأة أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُسقط في يدها، وندمت على ما قالت في حق شخصه الكريم -صلى الله عليه وسلم-؛ فنسيت حزنها وذهبت تعتذر، وما التفت النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة أخرى إلى اعتذارها، ولم يشغله؛ بل ذكَّرها بما تحتاجه من معاني الإيمان؛ إذ هذا هو همه -صلى الله عليه وسلم- وهدفه الذي لم يغب عنه لا في نطق ولا في سكوت، ولعلك الآن تعرف أخي ما معنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يغضب لنفسه قط -وهو مَن هو-، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء -صلى الله عليه وسلم-، وقلَّ من يلتفت لهذا المعنى العظيم، وأقل منه من يطبقه بالفعل في حياته ومعاشرته الناس، و( إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
إنه لو عظمت هممنا وتحملنا مسئوليتنا تجاه أمتنا لترفعنا عن كثير مما يقع بيننا من مشاجرات الباعث عليها الغضب للنفس والانتقام لها، وكلما ارتقى المسلم في خلقه وإيمانه صغرت في عينه سفاسف الأمور، وعظمت عنده العظائم؛ فلم يجد حينها نفسه مدفوعة للرد على كل أحد في الوجود، والانتقام منه، والتشهير به وإن آذاه من آذاه؛ بل هو ما يزال على ثغره حارسًا له حريصًا على عظائم الأمور .
على قـدر أهـل العـزم تأتي العزائم وتأتـي على قـدر الكـرام المـكـارم
وتعظم في عين الصغير صغـارهـا وتصغر في عيـن العظيـم العظائم
ناصحون لا متصيدون
ليكن همك البحث عن الحق ونصح الناس به؛ فـ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) (رواه البخاري ومسلم) ، ولو صدقت نيتك في هذا لما وقفت كثيرًا عند الزلات اللغوية، والهنات الفرعية، وغير ذلك مما يحسن التغافل عنه، ويبدو أن الإنسان حينما تسفل همته ويكون فارغـًا وتتسلط عليه نفسه -تعلو نبرته، وتشتد حدته تجريحًا وتقبيحًا للآخرين، وتعظيمًا لنفسه ورؤية لها، بل إعطاءها الحق المطلق في الحكم على الناس، وتصيد أقوالهم؛ لإظهار النفس في صورة العاقل المدقق، والحكيم الناقد، ناهيك عن التحذلق والفذلكة، والتعالم والتشدق، وما أقبحها من صفات وأجدرها ألا تتبع ولا تعظم! فهي مذمومة شرعًا .
كاشف النوايا
لا يتعجب الإنسان من شيء عجبه ممن يقدحون في الناس نواياهم وسرائرهم التي لا يطلع عليها إلا رب العباد؛ فالطعن في مذهب أو فكرة عبَّر عنها صاحبها شيء وارد، ولكن الطعن في النوايا هذا أمر لا طاقة لأحد عليه، ولا اطلاع لأحدنا على القلوب وما حوت إلا عن طريق وحي يوحى، وكثير من حوارات الإسلاميين تنتقل من النقاش حول الموضوع للنقاش عن شخص المخالف، ومن النقاش عن شخصه وفعله الظاهر إلى الكلام عن نيته وإرادته، ولقد علم الجميع أننا لم نؤمر أن ننقّب عن قلوب الناس، ولا أن نشق بطونهم !
فهلا نملة واحدة!
- مسلم واحد لا يعكس بالضرورة كافة المسلمين .
- وأفعال المسلمين لا تعكس بالضرورة شرائع الإسلام .
هاتان العبارتان رغم كونهما منطقيتين إلى أبعد حد؛ إلا أننا نعاني -نحن المسلمين- من خلط الغرب وتلبيسه؛ بسبب عدم وضوحهما في أذهانهم، وكم وقع المسلمون في كثير من الحرج والعنت بسبب فعل أو قول شخص ينتسب للإسلام، ثم انتقلت العدوى إلى المسلمين، بل إلى صفوتهم أبناء الصحوة، فكم هوجم المتبوع بسبب أتباعه، وأسيء إلى الأفاضل بسبب العامة، ثم رُمي بالوصف السيء ليس رؤوس الناس فحسب؛ بل جماعة كبيرة من الناس صارت كأنها فرد واحد يتصف بأبشع الصفات وأرذلها، بل الأدهى أن تُرمى جماعة من المسلمين بتهمة بسبب جنسياتهم في إحياء متجدد لدعوى الجاهلية المنتنة .
شهوة الجدل
الإنسان مركب فيه عدد من الشهوات، فمنا من يصرفها في الحق، ومنا من يصرفها في الباطل، والجدل واحد من هذه الشهوات التي تسيطر على البعض منا؛ فتجده منشغلاً بالقضايا الخلافية، منكبًّا عليها، باحثـًا عن فارس نحرير يجادله ويناقشه، ويقارعه الحجة بالحجة والبيان بالبيان، فهذا يرضي شهوته نحو الجدل، ويضع اسمه في مصاف كبار المناظرين، ويا لفرحة قلبه حينما يضطر خصيمه إلى زاوية الحلبة ويلقنه ضربات موجعة؛ فتصفق له الحشود السعيدة المتعطشة لمزيد من الإفحام والإلجام، والقذائف المتبادلة في هذا الاقتتال الفكري المحموم !