شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

خصوم الأزهر محاولة للترتيب الصحيح

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

"الأزهر" هو كبرى المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، ومناهجه الرسمية منذ عصر "صلاح الدين الأيوبي" -رحمه الله- قائمة على المذاهب الأربعة في الفقه، وعلى المنهج الأشعري في العقيدة. وأشعرية الأزهر هي الثغرة التي نفذ منها خصوم الإسلام؛ لكي يوقعوا العداوة بين "الأزهر" و"الصحوة الإسلامية" -التي تقوم معظم فصائلها على مرجعية سلفية- حتى ينشغل الفريقان؛ كل منهما بالآخر ويتركون مواجهتهم.

وفي هذا المقال نحاول التعريف الإجمالي بقصة المذهب الأشعري وكيف دخل "الأزهر", كما نذكر رجال الأزهر بأن أمامهم خصومًا كثيرين, ينهشون في الأمة ويناقضون المذهب الأشعري الذي يعتقدونه, وأنه إذا كان هناك اتفاق على أن المذهب الأشعري نشأ كطريقة للانتصار للمنهج السلفي أمام تيار الفلسفة والعقلانية المعتزلية، فانحرف عن منهج السلف في بعض قضاياه فمن غير المعقول أن يهادن رجال الأزهر العقلانية ويعادوا السلفية .

أولاً: نشأة المذهب الأشعري :

يعترف علماء الأشاعرة بأن مذهبهم نشأ بعد انخرام عصر الصحابة والتابعين ومن ثم ينسبونه إلى "أبي الحسن الأشعري" -رحمه الله- فهو عندهم مؤسس هذا المذهب؛ وذلك أن القرن الثالث الهجري قد شهد ظهور الكثير من الفرق والبدع....

فعلى المسار العقلي ظهرت الفلسفة فتصدت لها المعتزلة فكانوا أهون منهم شرًا، ولكنهم كانوا وبالا على السنة والأثر, بل والعقل بما دانوا به من متناقضات حتى انقلب عليهم أحد أنجب أتباعهم وهو الإمام "أبو الحسن الأشعري" الذي رام الرجوع إلى السنة بيد أنه عاد إليها محملا ببعض بقاياها مما جعل مذهبه وسطا بين أهل السنة والمعتزلة. وذهب "أبو منصور الماتريدي" إلى نفس ما ذهب إليه "الأشعري" وسبقهما "ابن كلاب" بيد أن "الأشعري" كان هو أشهر الثلاثة, وبين الثلاثة فروق طفيفة ولكن هذا لم يمنع أتباعهم من أن يجعلوهم ثلاثة مذاهب مستقلة

السلفية لم تعمد يوما ما إلى إضعاف "الأزهر". بل إن السلفية تكاد تبحث في أي مسألة عمن وافق الحق فيها من شيوخ الأزهر لكي تنشر كلامه لما للأزهر من قبول عند الناس

ومن العوامل التي أدت إلى انتشار مذهب الأشعري, أنه بعد وفاة الإمام "أحمد" عاود المعتزلة نشاطهم في الدعوة إلى بدعة خلق القرآن وهي بدعة منكرة؛ أدركت الأمة خطورتها بيد أنها كانت في حاجة إلى من يرد الشبه عنها ووجد الكثيرون في التصدي العلني السافر من الأشعري للمعتزلة ملاذا يلوذون إليه من هذه البدعة .

ومن الجدير بالذكر أن الإمام الأشعري قد استمر في دراسته؛ حتى تخلص مما بقى عنده من مورثات الاعتزال في كتابيه "مقالات الإسلاميين" و"الإبانة عن أصول الديانة" وعاد تمامًا إلى المنهج السلفي بيد أن مذهبه في الفترة الوسيطة من حياته كان قد ذاع وانتشر وما زال المنتسبون إلى المذهب الأشعري ينكرون نسبة هذين الكتابين إلى الإمام الأشعري رغم ثبوت نسبتهما إليه .

ثانيًا: كيف دخل المذهب الأشعري الأزهر :

شهد القرن الثالث الهجري -بالإضافة إلى بدع الفلسفة الرومانية والعقلانية المعتزلية- انتشار الفلسفات الفارسية الباطنية الممزوجة بعقائد الشيعة, وحاولوا هدم الدين بالتأويلات الباطلة وتمكنوا من معظم العالم الإسلامي فسيطر الفاطميون على مصر والشام, هذا فضلا عن سيطرة القرامطة وغيرهم على أجزاء من الحجاز والعراق .

وعلى صعيد آخر انتشرت الباطنية الذين يريدون هدم الدين بالتأويلات الباطلة وتمكنوا من معظم العالم الإسلامي فسيطر الفاطميون على مصر والشام هذا فضلا عن سيطرة القرامطة وغيرهم على أجزاء من الحجاز والعراق .

وقامت صحوة إسلامية مضادة في العراق, قادها الوزير "نظام الملك" بالتعاون مع إمام الحرمين "الجويني" الذي كان فقيها شافعيا عظيم الشأن, ولكنه انتحل مذهب الأشعري في العقيدة .

وعلى الرغم من أن "الجويني" قد لحق بإمامه "الأشعري" في الرجوع إلى الحق، فإنه أيضا كان في اللحظات الأخيرة من حياته التي لم يكتب لها أن تترجم إلى أرض الواقع .

وخلف "الجويني" "الغزالي" والذي شابهت قصته قصة إماميه من قبل, مع تنوع في المذاهب التي نقضها بيد أنه أوجد قدرًا من المصالحة بين "الأشعرية" و"الصوفية" والتي ما زالت آثارها باقية حتى الآن وهي مصالحة تبدو غير منطقية بين فريق متطرف في إعمال العقل وآخر متطرف في إقصائه .

ورجع "الغزالي" إلى السنة في آخر حياته, كرجوع شيخه "الجويني" وهو الرجوع الذي لم يكتب له أن يترجم عمليا هو الأخر .

وقد كتب الله لهذه المدرسة الإصلاحية النظامية أن يقود أحد قادتها الجهاد ضد الصليبيين وهو "عماد الدين زنكي" الذي أدرك أن جهاد الصليبين لا يتم إلا بجهاد الباطنية, ثم خلفه ابنه "نور الدين محمود", ثم خلفه أحد أبرز قواده "صلاح الدين الأيوبي" .

و"صلاح الدين الأيوبي" هو الذي قضى على الدولة الفاطمية في مصر، ومن جملة ما قام به للقضاء على هذا المذهب منع تدريس المناهج الباطنية في "الأزهر" -المسجد الذي أسسه الفاطميون من قبل لنشر الفكر الباطني- واستبدالها بالمذاهب السنية الأربعة في الفقه والمذهب الأشعري في العقيدة .

وكان لنجاح قادة المدرسة النظامية في قيادة الأمة أثر كبير في انتشار الفكر الأشعري في العالم الإسلامي أجمع .

ثالثًا: السلفية تستعيد زمام الأمور وترفض التحالف مع الأمراء ضد الأشعرية :

استمر انتشار المد الأشعري مدفوعا بقوة دفع الانتصار على الصليبيين, وانتشر معه المد الصوفي مستفيدا من قوة الدفع التي حصل عليها نتيجة تقديم الغزالي لصورة تصوف جديدة سميت بالتصوف السني، بيد أنه لم يخلص التصوف الفلسفي من كل أفاته وبقى تصوفه هو الآخر كعقيدته لا هو سني ولا هو فلسلفي .

الصفحة التالية