شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع الشباب

ياسر عبد التواب • شبابنا

وقلْ مثل ذلك في تقديره -صلى الله عليه وسلم- لمواهب زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وإسناده مهمة غاية في الأهمية بالنسبة لأي حاكم، وهي: أن يترجم له ويفحص ما يكتب عنه فيما بينه وبين اليهود، وكما نعلم أن مثل هذه المهمة خطيرة بسبب ما كان بين المسلمين واليهود من حساسية في ذلك الوقت، وهذا ما حدث به زيد عن نفسه؛ فعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ زَيْدًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ، قَالَ زَيْدٌ: ذُهِبَ بِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُعْجِبَ بِي. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا غُلامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً؛ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: ( يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ فَإِنِّي - وَاللَّهِ - مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي ) قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ كِتَابَهُمْ مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ. (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

فالشباب بحاجة إلى تقدير وإلى إعادة اكتشاف، وإلى إعطاء فرصة تتناسب مع قدراتهم -وليس مع وسائطهم ولا مجاملة لهم- في زمن صار تجاهل المواهب، وترك تقديرها، واحتكار الفرص ديدن الكبار في أغلب المجالات -إلا من رحم الله!-.

تعالَ - الآن - ننتقل إلى نقطة أخرى في رعاية النبي -صلى الله عليه وسلم- للشباب، وإدراكه لاختلافهم عن غيرهم.

انظر كيف كان -صلى الله عليه وسلم- يراعي اشتياق الشاب لأهله، ومن ذلك أيضًا: ما ورد في البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سافرت معه -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، فلما أن أقبلنا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ ).

كما نلحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُراعي الشباب لا سيما في أمر شهوتهم؛ ففي الحديث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَفَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ غَزْوَةٍ فَتَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ –أي : بطيء- فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الإِبِلِ؛ فَإِذَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- -أي : هو الراكب الذي نخس البعير وكانت بطيئة فأسرعت ، وهذا من معجزاته- فَقَالَ: ( مَا يُعْجِلُكَ؟ ) قُلْتُ: كُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرُسٍ. قَالَ: ( أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ ). قُلْتُ: ثَيِّبًا. قَالَ: ( فَهَلا جَارِيَةً تُلاعِبُهَا وَتُلاعِبُكَ ؟) قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، قَالَ: ( أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلا - أَيْ : عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ ) (متفق عليه) .

فيُراعي هنا حاجات الجميع ، فيسأل - أولاً - جابرًا عن حاله وسبب استعجاله، ثم يبدي رأيه في زواجه أنه كان يفضل له أن يتزوج بكرًا بدلاً من ثيب ، فإن البكر تخوض تجربتها الجديدة في الزواج فتعتني بزوجها وتحبه، ويراعي -كذلك- المرأة في بيتها فيترك لها فرصة التزين لتستقبل زوجها على أكمل حالاتها!

بل إنه كان -صلى الله عليه وسلم- يأذن للشباب؛ ليذهبوا إلى بيوتهم في أثناء غزوة " الخندق " لاسيما من كان حديث عهد بعرس ، فيقول أبو سعيد -رضي الله عنه- محدثًا عن شاب كان معهم في الغزوة، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا فقال: ( خُذْ عَلَيْكَ سِلاحَكَ ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ ) (رواه مسلم) .

ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شفوقًا كريمًا يسمع للشباب ويشعر بمشاكلهم، ويعاملهم معاملة كريمة حتى إن أحد الشباب غلبته شهوته، وتنازع في نفسه الطهارة والإيمان مع رجز الشهوة المحرمة والشيطان؛ فلم يجد له من مهرب إلا أن يأتي رسول الله -صلى الله وعليه وسلم- يستأذنه فيما ظنه مخرجًا شرعيًا له، فإن أذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في الزنا ؛ فقد أزاح عن نفسه هم المخالفة، وانتفى عنه الشعور بالإثم ، فانظر كيف عالجه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحوار العقلي العاطفي، وبالدعاء له - أيضًا - من غير زجر، ولا قهر، ولا سخرية منه .

عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ: ( ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا ). قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: ( أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ ). قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: ( وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ ). قَالَ: لا. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: ( وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ ). قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: ( وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ ). قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: ( وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ ). قَالَ: ( أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ ). قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: ( وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ ). قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: ( اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ ). قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ . (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية