شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع الشباب

ياسر عبد التواب • شبابنا

فهلا تأسينا به -صلى الله عليه وسلم- في إدراكنا لاشتياق الشباب، ولغلبة الشهوة عليهم فيسرنا لهم أمور الزواج، واجتهدنا في تهيئة سبل العفة، وأكثرنا من الدعاء لهم كمثل فعله، لعلنا نفعل -إن شاء الله-.

دعونا نلتقط دراري متنوعة من معاملته -صلى الله عليه وسلم- للشباب؛ تلك المعاملة التي كانت بمثابة تربية عملية لهم تساهم في التوجيه من خلال المواقف المختلفة ، فمن تربيته -صلى الله عليه وسلم- للشباب : أنه كان يحترم أحزانهم، فلا يثرب عليهم ما كان منهم في حزنهم؛ ماداموا لم يقعوا في محرم كتسخط القدر ، بل ويسعى -صلى الله عليه وسلم- في مواساتهم في الأحزان، وفي " صحيح مسلم " عن جابر بن عبد الله قال: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي، وَجَعَلُوا يَنْهَوْنَنِي وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يَنْهَانِي. قَالَ: وَجَعَلَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرٍو تَبْكِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( تَبْكِيهِ أَوْ لا تَبْكِيهِ مَا زَالَتْ الْمَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ ).

فبمثل هذا القول واساهم -صلى الله عليه وسلم-؛ ليخفف من حزنهم بينما تركهم قبل ذلك يفرغون مخزون الحزن من نفوسهم.

ومن تربيته للشباب ما كان من معاملته لزوجته الشابة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وتخفيفه عنها لما حضرتها الحيضة في الحج؛ فشق ذلك عليها، وتوهمت أنها ستحرم من الثواب، فذكر لها ما يطيب نفسها؛ ففي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلا نَرَى إِلا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: ( أَنَفِسْتِ ) يَعْنِي: الْحَيْضَةَ. قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ( إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي ) (متفق عليه) .

وفي تقديره لحاجة الفتاة حديثة السن إلى الترفيه ، فقد نقل عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يسابقها فتسبقه ويسبقها، ويقول لها: ( هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وتقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ " (رواه مسلم) .

وكان -صلى الله عليه وسلم- يعتني بالشباب ويسعى في معاونتهم وحل مشاكلهم وتزويج فقرائهم، وفي الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- انْطَلَقَ يَخْطُبُ عَلَى فَتَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأَسَدِيَّةِ فَخَطَبَهَا، فَقَالَتْ: لَسْتُ بِنَاكِحَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَانْكِحِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤَامِرُ فِي نَفْسِي فَبَيْنَمَا هُمَا يَتَحَدَّثَانِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى رَسُولِهِ: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ ) إِلَى قَوْلِهِ: ( ضَلاَلاً مُبِينًا ) قَالَتْ: قَدْ رَضِيتَهُ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مُنْكِحًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ أَعْصِي رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَنْكَحْتُهُ نَفْسِي . (تفسير الطبري) .

ومن هؤلاء : جليبيب -رضي الله عنه- الذي كان فقيرًا دميمًا لا يهتم أحد بشأنه ، فسعى -صلى الله عليه وسلم- في تزويجه، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: " خَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى جُلَيْبِيبٍ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَنَعَمْ إِذًا ). قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لاهَا اللهُ إِذًا، مَا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلا جُلَيْبِيبًا وَقَدْ مَنَعْنَاهَا مِنْ فُلانٍ وَفُلانٍ؟ قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْتَمِعُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمْرَهُ؟ إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ؛ فَأَنْكِحُوهُ... " (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية