اللعنة على لامز الرسول -صلى الله عليه وسلم-
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نشرت جريدة اليوم السابع في عددها الصادر بتاريخ الثلاثاء 27 يوليو 2010م إعلانًا عن اعتزام الجريدة نشر رواية تسمى: "محاكمة محمد" على حلقات، وتضمن الإعلان أهم عناصر هذه المحاكمة المزعومة، فكان فيه من السب والبذاء ما يعف اللسان عن ذكره.
وتناول عدد من الدعاة الرد على هذا السب والبذاء، وتحرك عدد من الغيورين على دين الله -عز وجل-؛ فنشرت الجريدة توضيحًا تضمن الآتي:
1- الكشف عن أن هذه الرواية عبارة عن حوار بين اثنين: أحدهما طاعن في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والآخر منافح عنه، وأن العناوين التي ذُكِرت هي عناوين لما أوردته الرواية على لسان الطاعن.
2- اعتراف إدارة الجريدة بأن اختيار العناوين لم يكن موفقًا! واعتذارها عن ذلك الصنيع.
3- إحالة الجريدة الرواية لمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر لإجازتها قبل النشر، وفي ذات الوقت شنَّ مؤلف الرواية "أنيس الدغيدي" (1) هجومًا حادًا على كل مَنْ هاجم الرواية، وتوعدهم بملاحقتهم قضائيًا!
وفي الواقع: إن إقحام الكلام على مضمون الرواية في هذا المضمار هو محاولة خبيثة لصرف الناس عن الجريمة الأصلية، وهي العناوين التي نُشِرت على الجريدة، وفيها سب صريح لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون نسبة هذا السب لقائله، ودون تذييل هذا السب بما يردُّه، ولنفترض جدلاً أن تلك الرواية قد أتت بما لم تستطعه الأوائل في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- -وإن كان هذا غير متوقع من أمثال هؤلاء-؛ فإن هذا لا يغير من حكم نشرهم لهذا السب شيئًا، نعم.. قد يغير هذا الاعتذار توصيف المسألة من السب الى التعريض بالسب، والفرق بينهما ليس كبيرًا كما يأتي بيانه -إن شاء الله-.
ويتضح هذا ببيان النقاط التالية:
أولاً: حكم سب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثانيًا: حكم التعريض بسب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثالثًا: الإعلان المنشور: هل هو سب صريح، أم تعريض بالسب، أم غير ذلك؟
رابعًا: بيان الواجب تجاه هذا الحدث.
أولاً: حكم سب النبي -صلى الله عليه وسلم-:
دلت الأدلة الكثيرة على أن من سبَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر في الدنيا والآخرة، وأنه مستحق للقتل أيًا كان دينه، منها: قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (التوبة:61) .
ومنها: قوله -تعالى- فيمن استهزءوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ثم جاءوا يعتذرون بأن هذا حديث الركب يقطعون به الطريق: ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) (التوبة:65-66) ، والأدلة على ذلك كثيرة استوعبها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه القيم: "الصارم المسلول على شاتم الرسول".
ثانيًا: حكم التعريض بسب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويشمل أمرين:
الأول: أن التعريض بسب النبي -صلى الله عليه وسلم- كَسبِّه تمامًا، يكفر صاحبه، ويُلعن في الدنيا والآخرة، ويستحق القتل.
الثاني: أنه يحرم على المسلم استعمال اللفظ الذي عُرِّض فيه بشتم النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو بمعناه الحسن؛ تعظيمًا لمقام النبي -صلى الله عليه وسلم-.
يدل على الأول قوله -تعالى- عن المنافقين: ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ) (التوبة:58) ، فجعل اللمز -وهو: الطعن الخفي- نفاقًا، والسياق في ذكر النفاق الأكبر كما هو ظاهر.
ومنه: لعن الله لليهود لما فعلوا ذلك مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما في قوله -تعالى-: ( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ) (النساء:46) .
وذلك أن اليهود كانوا يقولون للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "َاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ" لتفهم أنها بمعنى: "اسمع غير مأمور"، فتكون من المبالغة في الأدب، وإنما أرادوا بها -قبحهم الله-: "اسمع لا أسمعك الله"، وكانوا يقولون: "رَاعِنَا" لتفهم أنها من الرعاية، وإنما أرادوا بها -لعنهم الله-: "الرعونة".
فدل هذا على أن هذا النوع من التعريض بالسب ينبغي أن يعلم صاحبه أنه ملعون عند الله إن أراد به السب، وأما في حكم الظاهر فيقال لهم ما قاله سعد بن معاذ -رضي الله عنه- لما فهم مقصود اليهود من هذا الكلام: "عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأضربن عنقه"، فقالوا: "ألستم تقولونها؟"، فأنزل الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا ) (البقرة:104) ؛ لكيلا يتخذ اليهود ذلك سبيلاً إلى شتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. "ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في "الصارم المسلول" نقلاً عن بعض أهل التفسير" .
فأنذرهم إن عادوا إليها فسوف يعاملهم معاملة الساب؛ فينتقض بذلك عهدهم، وإن كان هذا في حق الكافر المعاهد؛ فكذلك في حق المسلم إن عاد إليها بعد الإنذار والتوضيح عومل معاملة الساب من التكفير واستحقاق القتل، بل الأمر في المسلم أكثر؛ لكونه منهي عن استخدام الألفاظ الموهمة في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى إن كانت قرائن الأحوال قاطعة بأنه لم يرد السب؛ حيث نهى الله المؤمنين عن استعمال ذلك اللفظ الموهم في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ).
ثالثًا: مما تقدم يتضح الآتي: