شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العقل الدولاري والعقل الجنسي في الصحافة المصرية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن النماذج التي تصادفها أحيانًا في حياتك شخصية "الرجل البطنان" الذي جعل عقله بطنه وبطنه عقله، بحيث لا تستطيع أن تفرق بينهما: إن أحب فببطنه ولبطنه، وإن كره فلها ومن أجلها، وإن فكر ففيها وبها؛ فإذا دُعي -مثلاً- إلى حفل عرس ليحضره؛ لا يرى فيه إلا الطعام الذي فيه، ويخرج منه مادحًا أو ذامًا بحسب جودة الطعام وكميته أو العكس لا غير!

وإن حضر مؤتمرًا علميًا يوجد على هامشه مأدبة طعام؛ تحول الهامش عنده إلى متن، فلم ير من المؤتمر العلمي إلا مأدبة الطعام، وهكذا.. فإذا قدر لهذا "الرجل البطنان" أن يُصدَّر في حديث؛ فسوف يحدثك عن وجبات المطعم الشرقي تارة، والغربي تارة، حتى إذا مل الناس منه -بينما لم يمل هو مِن نفسه- شرع يحدثك من باب التغيير، ولكنه تغيير يدور في فلك عقله البطنان عن المأدبة التي أقيمت على هامش المؤتمر العلمي الفلاني، واللقاء السياسي العلاني، وهكذا تدور الحياة وعقله مربوط ببطنه، يدور حولها دوران الدابة حول الآخية.

فإذا عوتب في ذلك تبجح بأن جميع الناس يأكلون ويشربون، وأنه ليس بدعًا من الخلق، وطبعًا من الصعب أن تُقنِع مثل هذا أن هناك فرقـًا بين أن يسد الإنسان رمقه، وأن يبادل الأدوار بين عقله ومعدته، وقد حذرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- من عاقبة هؤلاء حينما قال: ( مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وبيَّن أن مَن كانت همته بطنه ربما قعدت به عن غير ذلك من المكارم، فقال في المنافقين الذين يتخلفون عن صلاة الفجر: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ ) (رواه البخاري، ولمسلم نحوه) .

ومع هذا فإن صاحب "العقل البطنان" ليس بأسخف أصحاب العقول الشاذة؛ لأنه لا يضر الآخرين إلا بمقدار تطفله على موائد طعام البعض، وتطفله على موائد حديث البعض الآخر؛ لكي يتحدث عما اقتنصه من الموائد الأخرى، ولكن هناك من أصحاب العقول الشاذة من ضرره أعظم بكثير، منهم: صاحب "العقل الديناري" -أو الدولاري بلغة العصر-، وعند هذا الصنف من الناس كل شيء قابل لأن يُعبر عنه بالـ"جنيه" أو "الدولار"؛ فإذا سمع عن ميت كان السؤال الذي يقفز على لسانه: "كم ترك من الأموال؟"!

وإذا رأى شيئًا أعجبه سأل عن تكلفته كأنها الألف والياء لهذا الشيء، فقد يبادر ويسأل عن المتفوقين دراسيًا كم يكلفون آباءهم في الدروس الخصوصية، ففي حسه أن أي طالب متى أسلمته للمدرس الحاذق وأسلمت المدرس الحاذق "المعلوم" فسينتج من هذه المعادلة طالبًا متفوقًا، وهؤلاء عندما يصدمون بخلاف ما يتوقعون في أبنائهم لا يتشككون في قاعدتهم بقدر ما يتشككون في عدم إخلاص المدرس، أو أنه كان يريد المزيد من النقود، أو اتجهوا إلى مدرس يقبض بالدولار عساه أن يكون أنفع، وهكذا يمضى صاحب العقل الدولاري يقيّم كل ما يجده أمامه بالجنيه أو الدولار، وتبلغ المصيبة مداها إذا تكامل صاحب العقل الدولاري الشرائي بصاحب العقل الدولاري البيعي، وهو شخص لديه استعدادات لأن يبيع كل شيء حتى الدِّين والعرض، فهناك من يبيع، وهناك من يشتري، كما قال -تعالى-: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ) (البقرة:79) ، وقال: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (النور:33) .

وأما ثالث أصحاب العقول الشاذة: فصاحب العقل الجنسي الذي يشغله من كل كائن الجانب الجنسي فيه، ثم إنه متى سمع عن شخص اعتنى من سيرته بالجانب الجنسي دون غيره أو أكثر من غيره؛ ولأن هذا النوع من "الهوس" يطلبه كثير من الناس من فئات المراهقين، ومَن امتدت معهم مراهقتهم وصاحبتهم في كبرهم؛ فقد اقتنص أصحاب العقل الدولاري الفرصة وأخذوا يبحثون عمن لديه رُبع أو ثُمن أو عُشر موهبة كتابة مع كثير من أحاديث المراهقين الجانحين و"هلاوسهم الجنسية"؛ لكي يعملوا في الصحف التي يسميها أهل المهنة "صحفًا صفراء"، فتمت صفقة شيطانية بين مشترين -أصحاب الصحف الصفراء- وبائعين -العاملين فيها الذين يبيعون حصاد عقولهم الجنسية وأقلامهم الهزيلة- على تحويل أكبر كمٍّ ممكن من عقول الشباب إلى عقل جنسي، وهي مهمة يسيرة على هؤلاء، وهي أشبه بمن يأتي براقصة لكي تمثل دور راقصة في فيلم سينمائي.

الصفحة التالية