العقل الدولاري والعقل الجنسي في الصحافة المصرية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
حيث يمتلك هؤلاء غالبًا عقلية جنسية مستوحاة من عقلية "فرويد"، ذلك الرجل الذي توهم أن للجماد عالمه الجنسي، فماذا يمكن أن يكون في عقل صاحب قناعة كهذه إلا الاستغراق في تفاصيل الحياة الجنسية للنبات والحيوان والإنسان؟! فإذا فرغ من العلاقات الجنسية الطبيعية عرَّج على الحياة الجنسية الشاذة بجميع أنواعها، وهؤلاء غالبًا ما يجدون ضالتهم في بائعي الجنس والفسق والفجور من الممثلين والممثلات؛ فيسودون الصفحات، ويُجرون الحوارات حول تفاصيل حياتهم الجنسية، وهي إصدارات تضيق بها جدران مكتبة فسيحة الأرجاء، وإن كان العقل الجنسي لا يضيق بها أبدًا، ويظل دائمًا متطلعًا إلى المزيد من هذه الأخبار، ولكن لا بأس من باب دفع الملل أن يخرج أصحاب العقول الجنسية في فسحة خارج الفضاء الجنسي، ولكن مع استمرار ربط عقولهم بالآخية الجنسية، فيتكلمون عن الحياة الجنسية للساسة والزعماء، لا سيما وأن الساسة الأوروبيين في الآونة المعاصرة صورة لحضارتهم؛ أصحاب عقول جنسية دولارية بطنانة، بيد أن لكل واحد منهم تركيبته الخاصة به، وشهوته الغالبة عليه؛ بالإضافة إلى شهوة إرادة العلو في الأرض والتسلط على رقاب العباد، فإذا أفل نجمه السياسي باع مذكراته التي غالبًا ما تحتوى على تفاصيل علاقات جنسية طلبًا للحصول على حفنة ملايين من الدولارات، ثم ربما زادت شهوتهم إلى الخوض في تفاصيل الحياة الجنسية لكل أحد طلبًا لمزيد من الربح والشهرة، وهؤلاء ممن يدخلون تحت قول الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:19) ، ويصدق عليهم وعلى مَن وقع في براثنهم قوله -تعالى-: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الحجر:72) .
فإذا استنكرت على هؤلاء المغيبين في غياهب الجنس صاحوا فيك وأجلبوا: أن الجنس غريزة فطرية، وأن الناس كلهم يمارسها، وأنها حق فطري، وأن المنكرين عليهم يعانون من ازدواجية، وأنهم ينكرون علنًا ما يفعلونه هم سرًا، وربما تفاصح بعضهم وارتدى ثياب الفقه فردد مقولة: "أنه لا رهبانية في الإسلام"! إلى غير ذلك من الأقاويل التي يرددها هؤلاء...
وطبعًا مشكلة هؤلاء: أن عقولهم المكدسة بالجنس وحكاياته لا تكاد تتسع إلا لما يُملى عليها، وقد أُملي عليها أن الدنيا عانت صراعًا بين الدين والعالمانية "الدنيوية"، وأن الدين دعا إلى ترك متع الحياة وبالأخص الجنس، سواء تم من خلال الزواج أو غيره -الرهبنة-، وأن رجال الدين كانوا في واقع الأمر أكثر نهمًا في باب الجنس من غيرهم؛ مما كان أحد الأسباب التي رفض من أجلها دعاة العالمانية أي قيد على حرياتهم الجنسية لا سيما إذا كان باسم الدين، وشجعوا الخوض في كل صور الجنس المباح والمحرم دينًا، والمألوف والشاذ اجتماعيًا، وسعوا بالأخص إلى كشف صور استمتاع رجال الدين بالجنس في الوقت الذي يحرمونه على الناس.
وفي الواقع: أن هذا العرض صحيح تمامًا شريطة أن يقيدوه بأن هذه حالة أوروبا، ودينها النصراني المحرف، وانتصار العالمانية عليه، وأما الدين الإسلامي فبريء من هذا الشطط، ومن ثمَّ فالعالمانية ليس لها من سلاح تحارب به الإسلام إلا الكذب، ونسبة أباطيل الدين النصراني إلى الدين الإسلامي؛ ليخلصوا إلى ضرورة التمرد على الدين لا سيما فيما يتعلق بشأن الشهوة الجنسية، وعلى الرغم من إصرار هذه الصحف ومحرريها على إغلاق عقولهم الدولارية الجنسية على ما هي عليه وعدم وجود الرغبة الصادقة منهم في الحوار؛ إلا أننا ننصح ( مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (الأعراف:164) ، كما أننا ننصح لكل من قرأ لهم أو تأثر بهم.
وسيكون كلامنا في النقاط التالية:
1- نظرة العهد القديم إلى الجنس.
2- نظرة العهد الجديد إلى الجنس.
3- نظرة العالمانية إلى الجنس.
4- تعامل الشريعة الإسلامية مع الجنس.
أولاً: تتسم الشرائع المذكورة في التوراة رغم تحريفها بالاتزان والاعتدال، والموافقة للشرع والفطرة؛ مما يوحي أن هذا مما بقي لهم من دين الأنبياء، ففيها مشروعية الزواج، ومشروعية تعدد الزوجات، ومشروعية الطلاق، لا سيما إذا استحالت العشرة أو حدث نفور بين الزوجين، بالإضافة إلى أن فيها حرمة الزنا، وفيها العقوبة عليه بالرجم، وفيها حرمة التزين لغير الزوج، وفيها ذكر النقاب، وأنه كان من العادات الإسرائيلية، بيد أن كُتَّاب الأسفار كانوا ممن وصفناهم بأنهم ذوو عقول جنسية، بل كانوا مفرطين في هذا الجانب إلى الحد الذي ينسى الكاتب وهو يكتب أنه يكتب تحذيرًا من الزنا وزجرًا عنه؛ فيستغرق في تفاصيل جنسية دقيقة تخرج بالسياق عن كونه تحذيرًا إلى كونه تهييجًا، والأعجب من هذا أن يَنسى الكاتب أنه يكتب، وينسب كتابته إلى الله -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-!
بل أعجب من ذلك أن ينتهز الكاتب فرصة الكلام على أي مخالفة ليحولها إلى زنا عن طريق ضرب المثال، ثم يستغرق في المثال، كما في المثل المزعوم: "أن الله ضربه لأورشليم و السامرة في تمردهما على أنبيائهم"، فشبههما بأختين زانيتين اسمهما كذا.. وكان من صفة زناهما أنهما كانا يفعلان كذا وكذا.. حتى غضب الله عليهما!
وكاتب "نشيد الإنشاد": يزعم أن الله أوحى إلى أحد الأنبياء هذا النشيد الذي تدعو فيه عروس زوجها إلى جماعها، وعذرهم أن هذا الأمر مطلوب في الأفراح!
هذا بالإضافة إلى أن كاتبي العهد القديم وإن أبقوا على حرمة الزنا؛ إلا أنهم قدموا للقارئ أسوأ صورة عن الأنبياء وأسرهم؛ حيث نسبوا الزنا إلى الأنبياء في أكثر من موضع، بل نسبوا إليهم زنا المحارم -حاشاهم من ذلك-.
إن كُتاب العهد القديم قد عانوا من حالات الانكسار التي كانوا عليها أثناء النفي البابلي؛ فأضافوا لما ورثوا عن أنبيائهم أمورًا، منها: ما يتعلق بالإباحية الجنسية، والتي غالبًا ما تشيع في الأمم العاطلة المنكسرة.
ثانيا: العهد الجديد: