شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

العقل الدولاري والعقل الجنسي في الصحافة المصرية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

رغم أن الأناجيل تقدم صورة تبدو رومانسية ومنفلتة عن عيسى -عليه السلام- تجاه النساء -حاشاه عليه السلام من ذلك-! من أظهرها: "قصة المرأة السامرية"، و"قصة ساكبة العطر"، و"قصة المرأة الزانية" التي امتنع عيسى -عليه السلام- من إقامة الحد عليها -بزعمهم-؛ إلا أن رسائل بولس تحمل موقفًا عنيفًا من المرأة والازدراء للجنس، وتفضيل لحياة العزوبية وعدم الزواج بالكلية، وإلا فبحسبه مرة، ومِن ثمَّ لا تأذن رسائل بولس بالجمع بين أكثر من واحدة ولا بطلاق الواحدة والزواج من أخرى إلا لعلة الزنا، وهو أمر تختلف الطوائف النصرانية في تقديره، وحتى العبارات التي تُنسب إلى عيسى -عليه السلام- في تقرير هذه الأمور يوجد خلاف واسع بين شراح الأناجيل في ثبوتها وفي معناها.

ثم نشأت ظاهرة الرهبنة في الموحدين من النصارى هروبًا من جحيم التعذيب الذي صبه عليهم أتباع بولس بعد الاستقواء بالإمبراطور الروماني الوثني قسطنطين الذي تنصر، فكان الموحدون يفرون للإقامة في الصوامع في الصحاري حتى لا ينكرون ولا ينكر عليهم، ثم لما استتب الأمر للمثلثين أعجبتهم فكرة الصوامع فتوسعوا فيها، ووجدوا فيها فرصة لتطبيق تعليمات بولس بشأن عدم الزواج، وجعلوا ترك الزواج إلزاميًا على من ترهبن.

وقد أثمرت حركة العزوف عن الزواج عند الرهبان ثمرتين خبيثتين:

الأولى: ازدياد حركة الانحلال الجنسي في المجتمع؛ حيث غلبت على الناس قناعة بأن الجنس شهوة لا يُقدر عليها إلا بالرهبنة.

الثاني: عدم صمود الرهبان أمام مقاومة الفطرة؛ فحدثت حركة سعار جنسي داخل الأديرة تفاقمت وانتشرت رائحتها حتى أزكمت الأنوف.

ثالثا: العالمانية والجنس:

ولما قامت الثورة الفرنسية العالمانية نُشرت فضائح الأديرة، وواجهت الناس بالحقيقة: أن السعار الجنسي بالأديرة أشد منه خارجها، ولكن الرهبان يتظاهرون بالتسامي على الشهوة، والعامة صرحاء مع أنفسهم.

وكعادة الغرب يخير نفسه دائمًا بين متناقضين دون أن يعطي لنفسه مهلة التدبر والتعقل؛ فخيرت العالمانية الناس:

- بين السعار الجنسي المعلن ودون تأنيب ضمير.

- والسعار الجنسي المستتر مع تأنيب الضمير.

فاختار الناس الثاني أو اختير لهم الثاني، وتوسعوا فيه حتى أصبحت تجارة الجنس على رأس التجارات العابرة للقارات من أفلام ومسلسلات تحتوي على مشاهد جنسية إلى أفلام جنسية خالصة، ومواقع إنترنت وصحف ومجلات ومسابقات ملكات الجمال، وغيرها من الموبقات.

ونُقِلت التجربة إلى بلاد المسلمين على طريقة التلميذ الخائب الذي يغش من زميله فينقل فيما ينقل اسم المغشوش منه؛ فنقل العالمانيون العرب -قطع الله دابرهم- التجربة كما هي، وظنوا من فرط جهلهم بالإسلام أن الإسلام يتعامل مع الشهوة كما تعامل معها "بولس"! وأن أي حديث عن وجود مجال للشهوة المباحة نوع من الازدواجية مثل تلك التي كان يتعامل بها الرهبان وما زالوا، ومنهم من يتحذلق ويقول: "لا رهبانية في الإسلام" مطالبًا بفتح باب الإباحية على مصراعيه.

رابعا: الإسلام والشهوة:

قال -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (الروم:20) ، وهذه الآية على وجازة لفظها تبين المنهج الإسلامي في التعامل مع قضية الشهوة، والذي نلخصه استفادة من هذه الآية، ومن غيرها في:

1- أن خلق الذكر والأنثى نعمة من الله -تعالى-.

2- أن هذه النعمة لا تكون نعمة إلا إذا كان الذكر والأنثى ( أَزْوَاجًا )، وأما التساهل في الزنا فقال الله فيه: ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا ) (الإسراء:32) ، وأما اتخاذ الأخدان -وهي إحدى صور الزنا التي لا يرى الغرب فيها اليوم أي حرج- فقال الله -تعالى- فيها: ( وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) (النساء:25) .

3- أن اتصال الرجل والمرأة تحت مظلة الزواج كفيل بتحقيق المودة والرحمة التي يحتاج إليها الإنسان؛ لكي يطمئن على هذه الأرض، بينما المعاصي عمومًا ومنها الزنا لا يورث النفس إلا إضطرابًا ( فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

4- أن الشهوة إذا انحرفت عن هذا المسار؛ أصبحت دمارًا على البشرية، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ) (متفق عليه) ، وهي سبب لعقوبات ربانية في الدنيا والآخرة، منها الأمراض الغامضة: ( لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

5- وأن الشهوة طالما أنها لا تنبغي إلا بين الزوجين؛ فينبغي كذلك أن يستتر بها بحيث لا ترى ولا تسمع ولا يتحدث بها طرفاها ( فَإِنَّ مَثَلَ ذلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً فِي ظَهْرِ الطَّرِيقِ فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ) (رواه أحمد والطبراني، وحسنه الألباني) ؛ ولأن كل هذا مِن شأنه أن يهيج الشهوة في غير محلها، وبين غير الزوجين، ومِن ثمَّ فان إباحة الشهوة مقيدة بين الزوجين يتفق تمامًا مع ضرورة كتمها عن غيرهما لمَن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

6- أن الشرع جاء لتعليم الناس وتأديبهم بما يصلحهم، ومن ذلك: أمور تتعلق بآداب قضاء الشهوة تطوى عمن لا يحتاج إليها، وتذكر في مظانها، ولا تلاك بالألسنة ولا في المجالس العامة.

ومن هذا العرض الموجز نستنتج: أن الإسلام هو الإسلام، وشريعته تتمايز غاية التمايز عن الشرائع المحرفة، وعن دين العلمانية، وأنه ليس فيه من تعارض ولا ازدواجية، ولا إظهار شيء وإبطان آخر.

ومن جملة ذلك: أن الله أرسل رسله، وجعل لهم أزواجًا وذرية؛ ليعلم الخلق أن الأنبياء بشر منهم، مركب فيهم نفس شهواتهم، وأن هذه الشهوة ليست دنسًا يستحب أن يترفع الإنسان عنه كما زعمت الرهبانية!

وليست إلهًا يعبد من دون الله، أو شيئا لا يستطيع الإنسان السيطرة عليه أو تهذيبه أو العيش لحظة دون استغراق بالتفكير فيه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية