شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن من أعظم عبادات القلب التي لا يتحقق إيمان العبد إلا بوجودها في قلبه عبادة الخوف من الله -سبحانه وتعالى-، وعدم الخوف ممن سواه، كما أمر الله -سبحانه وتعالى- بذلك معلِّقًا الإيمان على وجود ذلك، قال الله -عز وجل-: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ . إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:173-175) .

قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ):

فقوله -تعالى-: ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ )، قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة" "تفسير ابن كثير 2/172" ، و( أَوْلِيَاءَهُ ) مفعول به ثانٍ، والمفعول به الأول محذوف تقديره "إياكم" دل عليه السياق.

فهذه الآية الكريمة تبين النهي عن الخوف ممن سوى الله -عز وجل-، ووجوب الخوف من الله -سبحانه وتعالى- وحده، وتعلُّق الإيمان على وجود الخوف من الله؛ قال -تعالى-: ( وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )، فدل ذلك على أن من لم يخف الله -سبحانه وتعالى- فليس بمؤمن، وهذا الإيمان ينتفي بالكلية عند انتفاء الخوف بالكلية، ويضعف مع ضعفه، ويقوى مع قوته.

وإذا اكتمل الخوف من الله -عز وجل- في قلب العبد زال من قلبه كل خوف آخر؛ وذلك أن الله -عز وجل- جعل الأمن لمن آمن بالله، كما قال -عز وجل- على لسان إبراهيم -عليه السلام-: ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام:81-82) ، فمن خاف اللهَ أمَّنه اللهُ -عز وجل- ممن سواه، وهذا أمر مُضطرد متلازم في القلب، فكلما ازداد الخوف من الله -عز وجل- وعظم في قلب العبد كلما زال منه الخوف ممن سواه، ولذا يكون مع هذا الخوف سعادة وسرور، مع كونه يُزعِج الإنسان ويخوِّفه من موقفه بين يدي الله -عز وجل- غدًا، إلا أنه لا يزول معه الرجاء، ولا يزال معه الحب، فيظل العبد يحقق أنواع العبادة كلها لله -سبحانه وتعالى-، وهذا أمر عجيب لا يحصل مع أي خوف آخر؛ إذ كل خوف غير خوف الله -عز وجل- يجعل الإنسان شقيًّا تعيسًا مضطربًا قلقًا، لا يستقر له حال، ولا يستطيع أن يمارس حياته بطريقة معتادة، وكلما ازداد الخوف من غير الله -عز وجل- في قلب عبد كلما شقي وتعس، والعياذ بالله.

وأما الخوف من الله -سبحانه وتعالى- فيجعله في أمن تام من كل من سواه -سبحانه وتعالى-، فيصغر الخلق في عينيه وفى قلبه، ولا يرى لهم أثرًا في هذا الوجود، ويرى أنهم مجرد أسباب، الله -سبحانه وتعالى- مالكها وخالقها، وهو الذي يدبر الأمر كله، ولذا لا يعبأ بما في أيديهم من أسباب، ويرى أنه -عز وجل- قد قدَّر أن تكون بأيديهم، وهو الذي قدَّر أن يخوِّف الشيطان المؤمن بهذه الأسباب امتحانًا له، فعند ذلك يوقن أن الأمر من الله -سبحانه وتعالى-، فيجتمع في قلبه الخوف والحب والرجاء؛ لأن الخوف من الله -سبحانه وتعالى- ـ كما ذكرنا ـ لا يزول معه الرجاء، ولا يزال معه الحب، فيظل الإنسان في كل عبادة يؤديها من العبادات يتنقل بين هذه الأجنحة الثلاثة للعبادة، ولذلك تقبل عبادته، وأما من لم يخف اللهَ -سبحانه وتعالى- فهذا لا يقبل له عمل؛ لأنه ليس بمؤمن، كما دل عليه مفهوم الآية: ( وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ).

والله -عز وجل- يبتلي عباده المؤمنين بأن يجعل لأولياء الشيطان من الكفار زينةً وأموالاً في الحياة الدنيا، ويمكِّنُهم من إرهاب الناس وتخويفهم؛ امتحانًا لعباده المؤمنين، وهذه الأسباب قد تكون سببًا في خوف أهل الإيمان منهم، وهذا الخوف وإن كان في أصله خوفًا طبيعيًّا؛ إلا أنه يزول بالتوكل على الله -عز وجل-، كما دلت عليه آيات سورة آل عمران، قال -تعالى-: ( الَّذينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (آل عمران:173) .

إن مواقف الشدة التي يكثر فيها الخوف عند عامة الناس هي مواطن زيادة الإيمان عند أهل الإيمان؛ لأن هذا الخوف يجرُّهم إلى التفكر بطريقة إيمانية، فهم يفكرون بطريقة تختلف عن طريقة الناس، فالناس حينما يرون الأسباب يقولون: "اخشوا هؤلاء!"؛ لأن قلوبهم متعلقة بالأرض وبالأسباب التي فيها، وأما أهل الإيمان فإنهم يرتفعون عن هذه الأرض ومن فيها ومن عليها، ويؤمنون أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب، فإذا ارتفعوا عن الأرض ـ وهم إنما يرتفعون بآيات الله ـ فرأوا ما بأيدي الناس شيئًا لا يُذكر ولا يُعد، وأن الأمر من عند الله -عز وجل-، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ فعند ذلك يعظم توكلهم على الله -سبحانه وتعالى-، فيزدادون إيمانًا، قال -تعالى-: ( فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ).

الصفحة التالية