إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
لذلك كان من أعظم أسباب زيادة الإيمان عند الصحابة استجابتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما دعاهم إلى الخروج إلى حمراء الأسد للقاء المشركين بعد هزيمة أُحد، مع ما بهم من جراح، وألم فراق أصحابهم، وقتل إخوانهم، وجرح نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، وفرار بعضهم، فآلامهم عديدة، ومع ذلك استجابوا، ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ).
فقولهم: ( حَسْبُنَا اللَّهُ ) أي: كافينا الله، ( وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ): نِعم من نتوكل عليه، ونِعم من توكل الأمور إليه، ونِعم من تُفوض الأمور إليه، فالله -عز وجل- يكفينا عدونا ويكفينا ما أهمَّنا.
( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ )، وألقى الله -عز وجل- في قلوب أعدائهم الخوف والرعب، وانصرفوا دون تحقيق غرضهم، قال: ( فَانْقَلَبُوا ) أي: المؤمنون ( بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) لما استجابوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أمرهم أن يخرجوا، وهذا لما بلغهم أن أبا سفيان عزم أن يرجع إلى المدينة ليستأصل من بقي بها من المؤمنين، فندبهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الخروج، فخرجوا على ما بهم من الجراح والألم وقَتل مَن قُتل منهم وقلة العدد بالنسبة إلى عدوهم، فكانت غزوة حمراء الأسد، تلك غزوة مباركة ازدادوا فيها إيمانًا، ( فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ . إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ).
و( إِنَّمَا ) أسلوب قصر، أي: ليس ذلك إلا من الشيطان، فهذا من كسب الشيطان وفعله، وهذا الكسب لا يملك أن يَضرَّ به المؤمنين إذا صبروا واتقوا، قال -تعالى-: ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ )، فهذا نهي عن الخوف من غير الله -عز وجل- ولو كان خوفًا طبيعيًّا، فدلَّ ذلك على أن استمرار هذا الخوف واستقراره في القلب لا يجوز؛ لأنه منهي عنه، وإن وقع في القلب ابتداء لآحاد المؤمنين بل للأنبياء والمرسلين، كما قال -عز وجل- عن موسى وهارون -عليهما السلام-: ( قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى . قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) (طه:45-46) ، فنهاهما عن الخوف، و( قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا )، وبيَّن لهما طريق التخلص من هذا الخوف، وهو استحضار معية الله -عز وجل-.
ومن استحضر معية الله -عز وجل- ارتفعت نفسه وارتفعت روحه عن الأرض، فرآها صغيرة هي ومن عليها، فزال عنه الخوف من الناس، ورآهم يلعبون، لا يزيدون على اللعب، فهذه الحياة الدنيا لهو ولعب، وهم مثل أطفال بأيديهم أشياء يلعبون بها ولا يملكون قوة حقيقية، وعند المقارنة فعلاً تجد الأمر كذلك؛ قارن بين قوة البشر مجتمعة بأسلحتهم وعتادهم وقطعة صغيرة من الشمس أو قطعة صغيرة من مذنبات وكويكبات لو أنها اصطدمت بالأرض لدمَّرتها، قارن بين ما بأيديهم والقوة المودعة في البحار، فتجد في البحيرة الصغيرة قوة مائية هائلة لو أنها خرجت على الناس لدمرتهم تدميرًا، وكذلك القوة المودعة في الرياح قوة هائلة فعلاً تدمر كل شيء، فالبشر لا يملكون شيئًا في الحقيقة، بل هم صغار جدًّا ضعفاء لا أثر لهم، فعند ذلك يزداد المؤمن إيمانًا، ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ )، لذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خاف قومًا قال: ( اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، فهو يلجأ إلى الله ويدرأ به في نحور الظالمين والمجرمين والكافرين.
لذلك نقول أن هذا الخوف قد يقع ابتداءً في قلبك، أو في قلب الولي، بل في قلب النبي، قال موسى وهارون -عليهما السلام-: ( إِنَّنَا نَخَافُ )، وفي الحديث السابق ذِكره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خاف قومًا دعا، فهذا أمر طبيعي فطري، لكنه لا يستقر ولا يستمر في القلب، بل يزول بكمال التوكل على الله -سبحانه وتعالى-، ووجوده ابتداءً في القلب لا يضر، ولكنه يضر إذا استمر، وقد يستمر إلى درجات خطيرة، فيقع الناس أحيانًا في المحرمات، وأحيانًا يقعون في الكفر بسبب هذا الخوف، كما سيأتي بيانه.
( فَلا تَخَافُوهُمْ ) فالله نهى عنه، ( وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )، فهذا يدل على وجوب الخوف من الله -عز وجل-، وأنه شرط في الإيمان، أو في الحقيقة ركن فيه إن استعملنا الاصطلاح المتأخر في التفرقة بين الشرط والركن، ولكن على التوسع في معنى كلمة الشرطية فنقول: شرط في صحة الإيمان، فأصله شرط في أصل الإيمان، وكمالُه شرط في كمالِه: الواجب في الواجب، والمستحب في المستحب.
فالناس يتفاوتون في خوفهم من الله -عز وجل-؛ فمنهم من خوفه يمنعه من فعل الحرام، ومنهم من يمنعه من فعل المكروه، ومنهم من يجعله يؤدي الواجب، ومنهم من يبكي خوفًا من الله -عز وجل- كلما ذكر أمر الآخرة أو ذكر عقاب الله -عز وجل- فيدفعه ذلك الخوف إلى فعل المستحبات التي يقدر عليها، ولا شك أن هذا خوف أكمل من خوف الذي يترك المحرم ويفعل الواجب فقط، كما أنه أكمل من خوف الذي يقع في المعصية ولكنه يخاف الله -عز وجل- ويخاف أن يكفر ويخاف عقوبة الخلود في النار، وإن كان لم يستحضر في قلبه شدة العقوبة على المعاصي، فلذلك أقدم عليها، أما الذي يقول: "لا أخاف الله" أو "لا أخاف القيامة" فليس بمؤمن أصلاً.
وصلِّ اللهم وسلِّم على محمد وآله وصحبه أجمعين.