شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الغضب

ياسر عبد التواب • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغضب:

ومن الأخلاق المذمومة، بل من شرها: الغضب؛ فهو من أكثر ما يتحكم به الشيطان في الإنسان، إذ الغضبان كالسكران لا يشعر بما يفعل، ويهذي بما يندم عليه بعد ذلك.

تعريف الغضب:

قال الجرجاني: "الغضب تغيرٌ يحصل عند فوران دم القلب يحصل عنه التشفي في الصدر" التعريفات.

وقال الراغب: "هو ثوران دم القلب وإرادة الانتقام".

وقال الغزالي -رحمه الله-: "الغضب غليان دم القلب بطلب الانتقام".

أنواع الغضب

أولا: الغضب المحمود:

هناك نوع من الغضب يمكن وصفه بأنه غضب محمود؛ وهو ما كان لله -تعالى- ولا يكون محمودًا إلا في حالة عدم تجاوزه للحدود الشرعية؛ فلا يؤدي إلى ظلم أو إلى انتهاك حرمات الله، أو إلى التجسس أو الأذى.

ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدوة؛ فمن غضبه لله أن يتغير وجهه عند رؤية ما لا يحسُن، فربما كان ذلك كفيلاً بتغيير المنكر، ومن ذلك ما رواه البخاري عن علي -رضي الله عنه- قال: "أَهْدَى إِلَيَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حُلَّةَ سِيَرَاءَ فَلَبِسْتُهَا؛ فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي" (متفق عليه)، فقد كانت لا تصلح للرجال؛ لكونها من الحرير؛ لذا فقد بدا الغضب على وجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- كراهية منه للتشبه.

وأخرج مسلم عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ. فَاشْتَدّ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِه قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! إِنّهُ أَخِي مِنَ الرّضَاعَةِ. قَالَتْ: فَقَالَ: ( انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ ) (متفق عليه).

وكذلك في حال الجهاد في سبيل الله -تعالى-؛ فيجوز الغضب بضوابطه فلا يمثل، ولا يغدر، ولا يقتل غير مقاتل، وقد بوب البخاري بابًا اسمه باب: "ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله"، واستدل بقول الله -تعالى-: ( جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (التوبة:73)، و(التحريم:9).

( جَاهِدِ ): بالسيف والحجة وإقامة الحدود. ( وَاغْلُظْ ): شدد عليهم فيما تجاهدهم به، واستعمل الغلظة والخشونة.

وقد غضب -صلوات ربي عليه- فتكلم بذلك على المنبر: فقد أخرج مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: إِنّي لأَتَأَخّرُ عَنْ صَلاَةِ الصّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ، مِمّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ النّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطّ أَشَدّ مِمّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: ( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّ مِنْكُمْ مُنَفّرِينَ، فَأَيّكُمْ أَمّ النّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالضّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ ).

وغضب كذلك من تشدد البعض وتهاونهم في أخذ رخص الشريعة: أخرج مسلم عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: رَخّصَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي أَمْرٍ. فَتَنَزّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنَ النّاسِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- فَغَضِبَ حَتّىَ بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمّ قَالَ: ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمّا رُخّصَ لِي فِيهِ. فَوَاللّهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللّهِ وَأَشَدّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ).

قال النووي في الشرح: "قوله: فَغَضِبَ حَتّىَ بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمّ قَالَ: ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمّا رُخّصَ لِي فِيهِ. فَوَاللّهِ لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللّهِ وَأَشَدّهُمْ لَهُ خَشْيَةً ) فيه: الحث على الاقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، والنهي عن التعمق في العبادة، وذم التنزه عن المباح شكًا في إباحته، وفيه: الغضب عند انتهاك حرمات الشرع وإن كان المنتهك متأولاً تأويلاً باطلاً، وفيه: حسن المعاشرة بإرسال التعزير، والإنكار في الجمع، ولا يعين فاعله؛ فيقال: ما بال أقوام ونحوه. وفيه: أن القرب إلى الله -تعالى- سبب لزيادة العلم به وشدة خشيته... ) انتهى.

ثانيًا: الغضب المذموم:

المذموم من الغضب هو الإفراط فيه، ويكون بغلبة هذه الصفة حتى يخرج عن سياسة العقل والدين والطاعة، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر، وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر.

وقال النووي -رحمه الله- في كتاب الأذكار: "قال بعضُهم: ما رأيتُ شيئًا أذهبَ للدين ولا أنقصَ للمروءة، ولا أضيعَ للذة، ولا أشغلَ للقلب من الخصومة.

فإن قلتَ: لابُدَّ للإِنسان من الخصومة لاستبقاء حقوقه.

فالجوابُ: ما أجابَ به الإِمامُ الغزالي أن الذمَّ المتأكّدَ إنما هو لمن خاصمَ بالباطل أو غير علمٍ كوكيل القاضي، فإنه يتوكَّلُ في الخصومة قبل أن يعرفَ أن الحقّ في أيّ جانب هو فيخاصمُ بغير علم. ويدخلُ في الذمّ أيضاً مَن يطلبُ حَقَّه، لكنه لا يقتصرُ على قدرِ الحاجة، بل يظهرُ اللددَ والكذبَ للإِيذاء والتسليط على خصمه، وكذلك من خَلَطَ بالخصومة، كلماتٍ تُؤذي، وليس له إليها حاجة في تحصيل حقه، وكذلك مَن يحملُه على الخصومة محضُ العِناد لقهر الخصم وكسره، فهذا هو المذموم.

وأما المظلومُ الذي ينصرُ حجَّتَه بطريق الشرع من غير لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لجاجٍ على الحاجة من غير قصدِ عنادٍ ولا إيذاء، ففعلُه هذا ليس حرامًا، ولكن الأولى تركُه ما وجد إليه سبيلاً، لأنَّ ضبطَ اللسان في الخصومة على حدّ الاعتدال متعذّر، والخصومةُ تُوغرُ الصدورَ وتهيجُ الغضبَ، وإذا هاجَ الغضبُ حصلَ الحقدُ بينهما حتى يفرح كل واحد بمساءةِ الآخر، ويحزنُ بمسرّته ويُطلق اللسانَ في عرضه، فمن خاصمَ فقد تعرّضَ لهذه الآفات، وأقلُّ ما فيه اشتغالُ القلب حتى أنه يكون في صلاته وخاطره معلقٌ بالمحاجّة والخصومة فلا يَبقى حالُه على الاستقامة؛ والخصومةُ مبدأ الشرّ، وكذا الجِدال والمِراء. فينبغي أن لا يفتحَ عليه بابَ الخصومة إلا لضرورة لابُدَّ منها، وعند ذلك يُحفظُ لسانَه وقلبَه عن آفات الخصومة" انتهى.

ذم الغضب في نصوص الشريعة:

الصفحة التالية