شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الغضب

ياسر عبد التواب • التزكية

قال الله -تعالى-: (  إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (الفتح:26)، ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل، ومدح المؤمنين بما أنزل عليهم من السكينة.

وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الغضب، روى أبو هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلا قَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَوْصِنِي؟ قَالَ: ( لا تَغْضَبْ ) فَرَدَّدَ مِرَارًا. قَالَ: ( لا تَغْضَبْ ) (رواه البخاري).

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في جامع العلوم والحكم: "فهذا الرجل طلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يوصيه وصية جامعة لخصال الخير؛ ليحفظها عنه خشية ألا يحفظها لكثرتها فوصاه أن لا يغضب.. فهذا يدل على أن الغضب جماع الشر والتحرز منه جماع الخير؛ وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة. فقال: "ترك الغضب".

وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) (متفق عليه).

وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ومَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ الله عَوْرَتَهُ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

وقال سليمان بن داود -عليهما السلام-: "يا بني إياك وكثرة الغضب، فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم".

وعن عكرمة في قوله -تعالى-: ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) (آل عمران:39)، قال: السيد: الذي لا يغلبه الغضب".

بيان حقيقة الغضب:

قوة الغضب محلها القلب، ومعناها: غليان دم القلب بطلب الانتقام، والأصل في تلك القوة أنها جعلت في الإنسان؛ لدفع المؤذيات عنه قبل وقوعها، ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث من: التفريط، والإفراط، والاعتدال.

أما التفريط: فبِفَقْدِ هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم، وهو الذي يقال فيه: إنه لا حمية له. ولذلك قال الشافعي -رحمه الله-: "من استغضب فلم يغضب فهو حمار"، فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلاً فهو ناقص جدًا، وقد وصف الله -سبحانه- أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشدة والحمية فقال: ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ( (الفتح:29)، وقال لنبيه: ( جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (التوبة:73)، وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب.

وأما الإفراط: فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر.

وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية: فرب إنسان هو بالفطرة مستعد لسرعة الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان، ويعين على ذلك حرارة مزاج القلب؛ لأن الغضب من النار.

وأما الأسباب الاعتيادية: فهو أن يخالط قومًا يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب، ويسمون ذلك شجاعة ورجولة، فيقول الواحد منهم: "أنا لا أصبر ولا أحتمل من أحد أمرًا"! ومعناه: "لا عقل فيَّ ولا حلم"، ثم يذكره في معرض الفخر بجهله.

بيان الأسباب المثيرة للغضب:

والأسباب المثيرة للغضب هي: الزهو وعلاجه التواضع؛ والعجب وعلاجه استصغار النفس، والمزاح والهزل وعلاجه بالانشغال بالجد والمهمات العالية، والهزء والتعيير والمماراة والمضادّة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً. ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب، فلابد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها.

فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع، وتميت العجب بمعرفتك بنفسك، وتزيل الفخر بأنك من جنس من تفخر عليه، إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد؛ وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتًا، فبنو آدم جنس واحد، وإنما الفخر بالفضائل. والفخر والعجب والكبر أكبر الرذائل، وهي أصلها ورأسها، فإذا لم تتخل عنها؛ فلا فضل لك على غيرك، فلم تفتخر وأنت من جنس الآخرين من حيث البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة؟!

وأما المزاح؛ فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر، وتزيد عليه إذا عرفت ذلك.

وأما الهزل؛ فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي تبلغك إلى سعادة الآخرة.

وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس، وبصيانة النفس عن أن يستهزأ بك.

وأما التعيير فالحذر عن القول القبيح، وصيانة النفس عن مر الجواب.

وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلبًا لعز الاستغناء، وترفعًا عن ذل الحاجة.

ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة، وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلاً، حتى تميل النفس إليه وتستحسنه! وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عند الأكابر في معرض المدح بالشجاعة، والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب بسببه، وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل، بل هو مرض قلب، ونقصان عقل، وهو لضعف النفس ونقصانها.

علاج الغضب:

1- التعوذ بالله -تعالى- من الشيطان، فعن سليمان بن صرد قال: اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنِّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) (متفق عليه).

وإذا تأمل العبد معنى الاستعاذة، وهو الالتجاء إلى الله -تعالى- والاعتصام به، وضم له التفكر فيما ورد في كظم الغيظ وثوابه، واستحضر أن الله أعظم قدرة من قدرته على من غضب عليه سكن غضبه لا محالة.

2- الوضوء:

3- الجلوس أو الاضطجاع

4- كظم الغيظ وعدم التجاوب مع الغضب:

الصفحة السابقة الصفحة التالية