حكم سبِّ الصحابة -رضي الله عنهم-
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وكذا أزواجه -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهن أجمعين، لابد أن نؤمن بأنهن أزواجه في الجنة، كما قال عمار -رضي الله عنه- منصفًا في حق عائشة -رضي الله عنها- عندما سمع رجلاً يسبها، فقال له: "اسكت مقبوحًا منبوحًا، والله إنها لزوجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها؛ ليعلم أتطيعونه أو إياها"، أي: تطيعون أمر أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-؟ أم تطيعون أمرها؟، فهي زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، لكن لا بد من طاعة أمير المؤمنين، حتى قال له بعضهم: " فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد " ، مع أنه يشهد لعلي بالجنة - أيضًا - ، ولا مانع من ذلك، لكن أزواجه -صلى الله عليه وسلم- اللاتي قال الله في حقهن: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً . وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْر ً ا عَظِيمً ا ) (الأحزاب:28-29) .
وكلهن اخترن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والدار الآخرة، وما طلق النبي -صلى الله عليه وسلم- واحدة منهن عندما نزلت الآية، وذلك دليل على أنهن -رضي الله عنهن- ممن اخترن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والدار الآخرة، ولو كن ممن اخترن الدنيا؛ لطلقهن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولمتعهن وسرحهن السراح الجميل، فأزواجه -صلى الله عليه وسلم- هن أزواجه في الجنة.
وأفضلهن: خديجة -رضي الله عنها- ، وكان جبريل -عليه السلام- يقرئها من ربها السلام، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب -وهو: اللؤلؤ المجوف-، لا صخب فيه ولا نصب، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك، معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتك؛ فاقرأ عليها السلام من ربها -عز وجل- ومنّي، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب " .
ثم عائشة -رضي الله عنها-؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ) (متفق عليه) ، ونزل الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في لحاف عائشة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأم سلمة: ( لاَ تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ -وَاللهِ- مَا نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيَّ وَأَنَا فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِي غَيْرَ عَائِشَةَ ) (رواه الإمام أحمد والبخاري) .
وتُوفِّي النبي -صلى الله عليه وسلم- هو بين سحرها ونحرها -رضي الله تعالى عنها-، وكانت آخر من اجتمع ريقها بريقه -صلى الله عليه وسلم- قبل رحيله، وتوفي في بيتها، ودفن في حجرتها، كما قالت عائشة -رضي الله عنها-: "توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيتي، وفي نوبتي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه، دخل عبد الرحمن بسواك فضعف النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه، فأخذته فمضغته ثم سننته به" ( متفق عليه ) .
وكان -صلى الله عليه وسلم- يحبها -رضي الله عنها- أكثر من غيرها، كما في حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جيش ذات السُلاسِل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: ( عَائِشَةُ ). فقلت: من الرجال؟ فقال: ( أَبُوهَا ). قلت: ثم من؟ قال: ( ثُمَّ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ ) فَعَدَّ رِجَالاً (رواه البخاري) -رضي الله عنهم- وعن سائر أزواجه.
وقد قال ابن حزم -رحمه الله- بعد أن ذكر بعض فضائل زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وفي هذا كفاية بينة في أنهن أفضل من كل صاحب، ثم لاشك عند كل مسلم وبشهادة نص القرآن؛ إذ خيَّرهن الله -عز وجل- بين الدنيا وبين الدار الآخرة والله ورسوله، فاخترن الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والدار الآخرة، فهن أزواجه في الآخرة بيقين، فإذ هن كذلك؛ فهن معه -صلى الله عليه وسلم- بلا شك في درجة واحدة في الجنة، في قصوره، وعلى سرره؛ إذ لا يمكن البتة أن يحال بينه وبينهن في الجنة، ولا أن ينحط -صلى الله عليه وسلم- إلى درجة يسفل فيها عن أحد من الصحابة، هذا ما لا يظنه مسلم، فإذ لاشك في حصولهن على هذه المنزلة؛ فبالنص والإجماع علمنا أنهن لم يؤتين ذلك اختصاصًا مجردًا دون عمل، بل باستحقاقهن لذلك) ا.هـ.
والصحيح أنه لا يلزم ذلك، فإن مجرد الصحبة ولاقتران لا تستلزم المساواة في الجنة في نفس الدرجة، فإن النبي -صلى لله عليه وسلم- له الوسيلة، ولا يقال: إن أزواجه لهن الوسيلة مثله، فقول ابن حزم خطأ بلا شك، ومخالف لإجماع أهل السنة أن أفضل هذه الأمة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي -رضي الله عنهم-، كما ثبت ذلك عن عليّ في تفضيل أبي بكر وعمر، وإجماع الصحابة على فضل عثمان وعليّ -رضي الله عنهما- بعد ذلك، وقد سأل غير واحد من الصحابة مرافقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، ولا يلزم من ذلك أنهم معه في الدرجة.
وإنما استنبط ابن حزم رأيه من قول أبي بكر -رضي الله عنه- قال: "إني وليت عليكم ولست بخيركم"، ولكن أبا بكر قاله تواضعًا منه -رضي الله عنه-.
