شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من آفات اللسان

ياسر عبد التواب • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

من آفات اللسان:

وتلك جملة أخلاق أخرى مذمومة يجب عليك أن تجتنبها لتسلم؛ فعن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه ارتقى الصفا فأخذ بلسانه فقال: "يا لسان قل خيرًا تغنم، واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم". ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( أكْثَرُ خطايا ابْنِ آدَمَ في لِسانِهِ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ) (رواه مسلم) .

الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعنيك:

رأس مال العبد أوقاته، وكلما صرفها إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ثوابًا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وحد الكلام فيما لا يعنيك أن تتكلم بكلام لو سكتّ عنه لم تأثم ولم تستضر به في حال ولا مآل، مثاله: أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم؛ فهذه أمور لو سكتّ عنها لم تأثم ولم تستضر، وإذا بالغت في الجهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان، ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة، ولا اغتياب لشخص، ولا مذمة لشيء مما خلقه الله -تعالى- فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك -وأنى تسلم من الآفات التي ذكرناها-.

ومن صورها: أن تسأل غيرك عما لا يعنيك، فأنت بالسؤال مضيع وقتك، وقد ألجأت صاحبك أيضاً بالجواب إلى التضييع، هذا إذا كان الشيء مما يتطرق إلى السؤال عنه آفة، وأكثر الأسئلة فيها آفات، فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلاً فتقول له: هل أنت صائم؟ فإن قال: نعم، كان مظهرًا لعبادته فيخشى عليه الرياء، وإن سكت كان مستحقرًا لك وتأذيت به، وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد وتعب فيه؛ فقد عرضته بالسؤال: إما للرياء أو للكذب، أو للاستحقار، أو للتعب في حيلة الدفع، وكذلك سؤالك عن سائر عباداته، وكذلك سؤالك عن المعاصي وعن كل ما يخفيه ويستحي منه، وسؤالك عما حدث به غيرك فتقول له: ماذا تقول؟ وفيم أنت؟ وكذلك ترى إنسانًا في الطريق فتقول: من أين؟ فربما يمنعه مانع من ذكره، فإذا ذكره تأذى به واستحيا، وإن لم يصدق وقع في الكذب وكنت السبب فيه.. وكذلك تسأل عن مسألة لا حاجة بك إليها، والمسئول ربما لم تسمح نفسه بأن يقول لا أدري، فيجيب عن غير بصيرة.

الآفة الثانية: فضول الكلام:

عن بعض الصحابة قال: إن الرجل ليكلمني بالكلام لجوابه أشهى إلي من الماء البارد إلى الظمآن فأترك جوابه خيفة أن يكون فضولاً. وقال مطرف: ليعظم جلال الله في قلوبكم، فلا تذكروه عند مثل قول أحدكم للكلب والحمار: اللهم اخزه، وما أشبه ذلك.

قال الله -عز وجل-: ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (النساء:114) . فانظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك فأمسكوا فضل المال وأطلقوا فضل اللسان.

وعن مطرف بن عبد الله عن أبيه أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي رَهْطٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: أَنْتَ وَلِيُّنَا، وَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَأَنْتَ أَطْوَلُ عَلَيْنَا طَوْلا، وَأَنْتَ أَفْضَلُنَا عَلَيْنَا فَضْلا، وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ، فَقَالَ: ( قُولُوا قَوْلَكُمْ، وَلا يَسْتَجِرَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ )، قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ: ( وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، إشارة إلى أن اللسان إذا أطنب بالثناء ولو بالصدق، فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزيادة المستغنى عنها.

قال ابن القيم -رحمه الله- في تفسيره لسورة الناس:

- فضول الكلام تفتح للعبد أبوابًا من الشر كلها مداخل للشيطان، فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها، وكم من حرب جرتها كلمة واحدة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

وفي الترمذي أن رجلاً من الأنصار توفي، فَقَالَ -يَعْنِي- رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوَ لاَ تَدْرِي فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ أَوْ بَخِلَ بِمَا لاَ يَنْقُصُهُ ) (رواه الترمذي، وقال الألباني: صحيح لغيره) .

وأكثر المعاصي إنما تولدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان، فإن جارحتيهما لا يملان ولا يسأمان، بخلاف شهوة البطن، فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام، وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام، فجنايتهما متسعة الأطراف كثيرة الشعب، عظيمة الآفات، وكان السلف يحذرون من فضول الكلام، وكانوا يقولون: "ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان".

- وفي جامع العلوم والحكم عند شرح حديث: ( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ) ما مضمونه: "ما ليس بخير من الكلام فالسكوت عنه أفضل من التكلم به؛ اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة مما لا بد منه"، وقد روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "إياكم وفضول الكلام، حسب امرئ ما بلغ حاجته"؛ وقال: "يهلك الناس في فضول المال والكلام". وأيضًا فإن الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة القلب.

الصفحة التالية