شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من آفات اللسان

ياسر عبد التواب • التزكية

- وقال عمر -رضي الله عنه-: "من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به".

الآفة الثالثة: المراء والجدال:

قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

وقال لقمان -عليه السلام- لابنه: "يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك"، وقال بلال بن سعد: "إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه؛ فقد تمت خسارته".

وحدَّ المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه؛ إما في اللفظ وإما في المعنى، وإما في قصد المتكلم، وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعته فإن كان حقًا فصدق به، وإن كان باطلاً أو كذبًا ولم يكن متعلقًا بأمور الدين فاسكت عنه.

الآفة الرابعة: الفحش والسب وبذاءة اللسان:

وهو مذموم ومنهي عنه، مصدره الخبث واللؤم، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلا التَّفَحُّشَ ) (رواه أحمد والحاكم والنسائي في الكبرى، وصححه الألباني) ، ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أن تسب قتلى بدر من المشركين، فقال: ( لا تسبوا هؤلاء؛ فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون، وتؤذون الأحياء ألا إن البذاء لؤم ) (رواه النسائي وابن أبي الدنيا، وصححه العراقي) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِىءِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إن الله حي كريم يعفو ويكنو، كنى باللمس عن الجماع؛ أي في قوله -تعالى-: ( .. أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ) (النساء:43) .

وقال أعرابي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أوصني. فقال: ( اتَّقِ الله... وإنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وعَيَّرَكَ بِأمْرٍ لَيْسَ هُوَ فِيكَ فلا تُعَيِّرْهُ بِأمْرٍ هُوَ فِيهِ ودَعْهُ يَكُونُ وَبَالُهُ عَلَيْه وأجْرُهُ لَكَ ولا تَسُبَّنَّ أحَداً ). قال: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ أَحَدًا، وَلا شَاةً، وَلا بَعِيرًا (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره) .

الآفة الخامسة: السخرية والاستهزاء:

وهذا محرم بسبب الأذى الذي يسببه للآخرين، كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ) (الحجرات:11) ، ومعنى السخرية: الاستهانة والتحقير، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه: وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء، وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة، وفيه معنى الغيبة إن كان بصدق وإلا فهو بهتان.

عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلاً فَقَالَ: ( مَا يَسُرُّنِي أَنِّى حَكَيْتُ رَجُلاً وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وقال ابن عباس في قوله -تعالى-: ( يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ) (الكهف:49) : "إن الصغيرة: التبسم والاستهزاء بالمؤمن، والكبيرة: القهقهة بذلك".

أضف إلى ذلك أن المستهزأ به قد يكون أفضل منك عند الله -تعالى- فتستجلب بذلك غضب الله عليك؛ لأنه -سبحانه- يغضب لأوليائه.

وأهل السخرية يشبهون المنافقين الذين سخروا من الصحابة؛ فذموا وذلوا، قال -تعالى-: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ) (التوبة:65) .

الآفة السادسة: الغيبة:

والنظر فيها طويل، فلنذكر أولاً مذمة الغيبة، وما ورد فيها من شواهد الشرع، وقد نص الله -سبحانه- على ذمها في كتابه، وشبَّه صاحبها بآكل لحم الميتة، فقال -تعالى-: ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) (الحجرات:12) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ ) (رواه مسلم) .

والغيبة تتناول العرض، وقال أبو برزة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَحَاسَدُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَلا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ) (متفق عليه) .

وقال أنس: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

بيان معنى الغيبة وحدودها:

اعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو خلقه أو في فعله أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته.

أما البدن: فذكرك العمش والحول، والقرع، والقصر والطول، والسواد والصفرة، وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان.

وأما النسب: فبأن تقول: أبوه أعجمي أو فاسق أو خسيس أو إسكاف أو زبال، أو شيء مما يكرهه كيفما كان.

وأما الخلق: فبأن تقول هو سيء الخلق، بخيل متكبر مراء، شديد الغضب، جبان عاجز، ضعيف القلب، متهور، وما يجري مجراه...

الصفحة السابقة الصفحة التالية