من آفات اللسان
ياسر عبد التواب • التزكية
ورمي المحصنين كرمي المحصنات، أعني أن من رمى مؤمنًا محصنًا ذكرًا، فكذلك حكمه حكم من رمى محصنة؛ فالرمي بالزنا كبيرة من الكبائر إن لم يأت صاحبه بأربعة شهداء يشهدون على هذا، وإلا كان عقوبته الثلاث عقوبات كما سبقت الإشارة: الجلد، وأن ترد شهادة أبدًا، ولا تقبل منه لا على عقد زواج، ولا على عقد بيع، ولا عقد تجارة، ولا على أي عقد، ثم يكون فاسقًا حتى يتوب.
فمن ابتلي برؤية أولئك الفجار على معصيتهم فأولى به أن ينصحهم ويزجرهم قبل أن يطلب من يشهد معه ضدهم؛ لا سيما إن لم يكونوا من أهل المجاهرة والفجور.
كذلك من الكبائر: الادعاء على أهل الإيمان بما هم منه براء، مثل: أن تكذب عليهم بما يوجب حدًا غير القذف، فإذا كذبت على مؤمن بأنه قاتل، وليس كذلك، وأنه سارق وليس كذلك، وأنه خائن وليس كذلك لا شك أن هذا كله من الفرى، وأنت محاسب على ذلك بين يدي الله -تبارك وتعالى-، أما إذا لم يوجب حدًا وكان نوعًا من الفرية؛ فهو كبيرة من الكبائر، والدليل على ذلك أن الغيبة يعدها بعض العلماء كبيرة علمًا أنها صدق، وأما الكذب فهو بهتان أكبر من هذا.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ ). قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ( ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ) قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟! قَالَ: ( إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ) (رواه مسلم) .
فإذا كانت الغيبة وهي صدق من الكبائر حيث قال -تعالى-: ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ )، فذمها ذمًا شديدًا؛ فكيف بالبهتان إذن..؟! لا شك أنه من أكبر الكبائر.
تفاوت وزر الكذب:
الكذب يتفاوت، قد يكون منه كبائر -كما مر بنا في الفقرة السابقة- وصغائر، وهو الكذب في المزاح، ونحو ذلك من الأمور التي يعلم الناس إنها كذب؛ فهذه صغائر، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها علمًا أنه توعد على بعضها كما جاء في الحديث: ( وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) .
فمجرد الإضحاك بالكذب منهي عنه؛ وإن كان لا يكون فيه ضرر ولا أذية مسلم، وإنما أراد أن يضحك الناس؛ فيذكر مثلاً نكتة من النكات لا تتعلق بشخص ما؛ لأنها من جملة الكذب.
لذلك أقول: تأمل حديث النبي -صلوات الله وسلامه عليه-: ( وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ) (متفق عليه) ، فبداية الذنب كذبة، تبدأ بكذبة إذا لم ترجع عنها وتستغفر الله -تبارك وتعالى- وتتوب؛ قد يستدرجك الشيطان إلى كذبة غيرها، تبدأ بالكذب على الناس ثم تنتهي بعد ذلك بالكذب على الله -تبارك وتعالى-، وهذا الحال دائمًا.
الحال دائمًا في الذنوب تبدأ هكذا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في السارق: ( لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ) (أخرجه البخاري ومسلم) .
قيل معنى الحديث: أنه يبدأ بسرقة الأمور الصغيرة، ثم يتدرج به الأمر حتى يسرق الأمور الكبيرة فتقطع يده بالسرقة؛ لأنه لا سرقة في أقل من ربع دينار، وهكذا الكذاب، يبدأ بالكذبات الصغيرة متهاونًا فيها حتى يصل به الشيطان بالكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى الله -سبحانه وتعالى-؛ كأن يفتي بغير علم، ويبتدع؛ فيتم هلاكه.