من آفات اللسان
ياسر عبد التواب • التزكية
وأما في أفعاله المتعلقة بالدين: فكقولك هو سارق أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة أو الزكاة أو لا يحسن الركوع أو السجود، أو لا يحترز من النجاسات أو ليس باراً بوالديه، أو لا يضع الزكاة موضعها أو لا يحسن قسمها، أو لا يحرس صومه عن الرفث والغيبة والتعرض لأعراض الناس.
وأما الغيبة في فعله المتعلق بالدنيا: فكقولك إنه قليل الأدب متهاون بالناس، أو لا يرى لأحد على نفسه حقًا، أو يرى لنفسه الحق على الناس، أو أنه كثير الكلام، كثير الأكل، نؤوم ينام في غير وقت النوم، ويجلس في غير موضعه.
وأما في ثوبه فكقولك: إنه واسع الكم طويل الذيل، وسخ الثياب.
التعريف النبوي للغيبة:
كل ما نبهنا عليه في الفقرة السابقة يبين حدود الغيبة؛ فإن كان صادقًا فيه فهو به مغتاب عاص لربه، وآكل لحم أخيه، بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ ). قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ( ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ) قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟! قَالَ: ( إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ) (رواه مسلم) .
وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، -تَعْنِي قَصِيرَةً-، فَقَالَ: ( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وقال الحسن: ذكر الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفك، وكل في كتاب الله -عز وجل-؛ فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفك أن تقول ما بلغك".
وذكر ابن سيرين رجلاً فقال: "ذلك الرجل الأسود، ثم قال: أستغفر الله إني أراني قد اغتبته".
وذكر ابن سيرين إبراهيم النخعي فوضع يده على عينه ولم يقل الأعور!
بيان أن الغيبة لا تقتصر على اللسان:
اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم؛ لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه، فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول، والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، وهو حرام؛ ومن ذلك المحاكاة يمشي متعارجًا أو كما يمشي فهو غيبة، بل هو أشد من الغيبة؛ لأنه أعظم في التصوير والتفهيم، ولما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشة حاكت امرأة قال: ( مَا يَسُرُّنِي أَنِّى حَكَيْتُ رَجُلاً وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)
بيان العلاج الذي يمنع اللسان عن الغيبة:
اعلم أن مساوئ الأخلاق كلها إنما تعالج بالجمع بين العلم والعمل، وإنما علاج كل علة بمضادة سببها، فلنفحص عن سببها، وعلاج اللسان وكفه عن الغيبة على وجهين: أحدهما على الجملة، والآخر على التفصيل.
أما على الجملة: فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله -تعالى- بغيبته بهذه الأخبار التي رويناها، وأن يعلم أنها محبطة لحسناته يوم القيامة، فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلاً عما استباحه من عرضه، فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه، وهو مع ذلك متعرض لمقت الله -عز وجل-، ومشبه عنده بآكل الميتة، بل العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته، وربما تنقل إليه سيئة واحدة ممن اغتابه فيحصل بها الرجحان ويدخل بها النار، وإنما أقل الدرجات أن تنقص من ثواب أعماله، وذلك بعد المخاصمة والمطالبة والسؤال والجواب والحساب.
الكذب:
الكذب على عباد الله -تبارك وتعالى-، مما يتبع الغضب، وهو من أكثر الأخلاق الفاسدة التي يحرص الشيطان على إغوائك إليها، فأعظم الكذب على عباد الله أن تكفر مؤمنًا وأنت كاذب، أن تقول: قال كذا فكفر به، وأنت تعلم أنه لم يقله، وهذا ظلم؛ وربما أدى إلى الخروج من الدين كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ) (متفق عليه) .
وكذلك إذا اتهمته بما يلعن به أو يفسق به أو يبدع به، وليس كذلك؛ فأنت أحرى بهذا الوصف يرجع عليك، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلاً وَإِلاَّ رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
إذن الافتراء على المؤمنين من الكبائر العظيمة، ومن هذه الفرى اتهامهم بالزنا، وقد نص الله -تبارك وتعالى- على أن هذه كبيرة عظيمة توجب عقوبات ثلاث كما قال -تبارك وتعالى-: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور:4) .
فهذه ثلاث عقوبات لمن قال عن مؤمنة أو محصنة: أنها زانية، أو أنها بغي، أو أنها بنت زنا، أو إن أمها كذا، أو نحو ذلك كله، إذا اتهمت مسلمة محصنة بالزنا، فلا شك أنه إما أن يكون ذلك صدقًا أو لا يكون؛ فالكذاب في هذا الأمر له عقوبة أخروية شديدة، قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النور:23) ؛ وهذا الادعاء -صدقًا كان أو كذبًا- في الشرع لا يُقبل إلا بأن يأتي الرامي بأربعة شهداء يشهدون على هذا، كما قال -تبارك وتعالى-: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور:4) .