إسلام نفس واحدة.. هل يستحق منا كل هذا الاهتمام؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
إسلام نفس واحدة.. هل يستحق منا كل هذا الاهتمام؟!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
إسلام نفس واحدة.. هل يستحق منا كل هذا الاهتمام؟!
سؤال يَطرح نفسه على الساحة كلما دخل أحد في الإسلام وأراد أهل دينه السابق منعه من ذلك؛ فيخرج علينا المتحذلقون فيقولون: ماذا تريدون من رجل واحد أو امرأة وعددكم 76 مليونًا من مجموع الثمانيين مليونًا هم تعداد شعب مصر بينما تتقاسم ديانات النصارى الثلاث "الأرثوذكسية - الكاثوليكية - البروتستانت" مع سائر الأقليات الأربعة الملايين الأخرى؟!
ولماذا كل هذا الاهتمام.. وهل يفيد الإسلام زيادة فرد أو يضره نقص آخر؟!
وبداية.. نود أن ننبه هؤلاء وغيرهم أن ما يقوم به المسلمون في كل هذه الأحوال أدنى بكثير من المطلوب؛ لعجز البعض وتقصير البعض الآخر، والواجب هو دعوة الناس إلى دين الله فضلاً عن توفير الحماية لمن أراد الدخول فيه، فضلاً عن العمل على فك أَسر من أُسِر من المسلمين ممن ولد مسلمًا أو ممن هداه الله إلى الإسلام بعد أن كان على غيره بكل ممكن ومستطاع.
ويرى هؤلاء أن تلك الجهود على ضعفها وهذا الاهتمام على قصوره من المبالغات؛ لأن وجهة نظر هؤلاء هي ضرورة أن يتسع نطاق "الكرم الحاتمي الإسلامي" ليقبل بكل صور الابتزاز الطائفي النصراني المسمَى زُورًا: بـالـ"وحدة الوطنية" إلى الدرجة التي صاروا يطالبون المسلمين فيها باستئذان النصارى مع كل واقعة إسلام شخص جديد؛ فإن لم يكن ذو أهمية عندهم بذلوا جهدهم في تثبيته على دينه من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب، وعروض بأموال وبأشياء أخر، وببكاء أم ونحيب أخت، وتهديد أخ وزمجرة أب؛ فإن فشل هذا كله تركوه لدينه الجديد.
وأما إن كان ذا بال عندهم كأن يكون كاهنًا أو كأن تكون زوجة لكاهن؛ فلابد من إغلاق كل سبل الإسلام أمامه ولو بإغلاق الدُرج على "خِتم إشهار الإسلام في الأزهر" كما حدث في اليوم الأول لمحاولة "الأخت كاميليا" إشهار إسلامها! أو بإغلاق باب مقر إشهار الإسلام في الأزهر كما فُعِل في اليوم الثاني.. أو بوضع المسلم أو المسلمة الجديدة تحت الإقامة الجبرية حتى تقنع بالعودة إلى النصرانية ولو ظاهريًا كما في قصة الأخت "وفاء قسطنطين" والأخت "ماري عبد الله"، ثم إذا أصرت على أن تكون العودة ظاهرية كما وعدوها يتم شطب اسمها من الوجود، وهو موت معنوي على الأقل إن لم يكن موتًا حسيًا.
والشبهة الحاضرة لدى كل من يساعد على هذا الأمر أو يدافع عنه أن الإسلام لا يفيده زيادة واحد ولا ألف.. ولا يضره نقصانهم، والذين يلقون هذه الشبهة لا يدركون طبيعة دعوة الإسلام ويقيسونها بموازين غيرها أو على الأخص موازين الطائفية التي تسعى فيه كل طائفة إلى زيادة عددها طلبًا لمصالح طائفية خاصة، وطلبًا لزيادة وزنها النسبي في المجتمع لا سيما داخل الدول المدنية الحديثة المتعددة الديانات أو الأعراق، وهذه المصالح يمكن أن تخضع للمساومة أو المقايضة في نطاق دائرة المساومات السياسية والترضيات الطائفية.
كما أن هؤلاء لا يدركون العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام حيث الدين غاية والدولة وسيلة؛ بخلاف معظم المناهج الأخرى التي تجعل الدولة هدفـًا يزاحم الدين أو يتفوق عليه، وفي سبيل الوصول إلى "الدولة المفقودة" حرَّف "بولس" النصرانية، وكسا وثنية الدولة الرومانية برداء نصراني؛ طمعًا في الحصول على الدولة حتى تم لأتباعه ما أراد بعد نحو من ثلاثة قرون من هذه المحاولات، وضحت نصرانية بولس بالدين؛ لكي تحصل على الدولة، وحاربت تلك الدولة نصرانية المسيح -عليه السلام- حتى حرقت الموحدين من أتباع الدين الحق وهم أحياء في واحدة من أسوأ صور الاضطهاد الديني عبر التاريخ.. !
أما الإسلام.. فـالدين فيه هو: "الهدف الأسمى"؛ ولأن إقامته لابد لها من دولة شرعت إقامة الدولة، ومِن ثمَّ كان تعريف الخلافة الذي اتفقت على مضمونه كتب السياسة الشرعية أن دورها هو "حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين".
ومِن ثمَّ كانت دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ما زال بعدُ رجلاً واحدًا فردًا قائمة على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وبيَّن الله -تعالى- أن هذا هو المقصد الأصلي من الدعوة، كما في قوله -تعالى-: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) (إبراهيم:1) .
وبلغ من حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية الخلق أنه كان يحزن حزنًا شديدًا من إعراض من أعرض حتى واساه ربه وأمره أن يرفق بنفسه؛ فقال: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (الشعراء:3) ، وقال: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف:6).
وبلغ حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية الناس مداه فيما يتعلق بعمه أبي طالب؛ فأتاه وهو على فراش الموت، وبموازين الدولة والمنعة والشوكة لم يعد فيه غناء وقد استعمله الله في نصرة الإسلام في حياته رغم كفره، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتمنى من كل قلبه أن يخرجه الله به من النار؛ فما زال عند رأسه يقول له: ( أَيْ عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ) (رواه البخاري ومسلم) ، فلم يُكتب له الإيمان؛ فحزن النبي -صلى الله عليه وسلم- لذلك حزنًا شديدًا حتى واساه ربه أيضًا فقال: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (القصص:56) .
بلغ ذلك الحرص من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه لما قدِم المدينة اتخذ خادمًا يهوديًا لعل هذا أن يكون سببًا في إسلامه إذا عاش في خدمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ثم لما مرض عاده النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعرض عليه الإسلام والغلام ينظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وينظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ) (رواه البخاري).