حدوتة "الجماعة" هل من جديد؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
والحدوتة الأخرى حدوتة تاريخية تحكي قصة الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-، والتي اضطر فيها إلى شيء من الموضوعية، وأبرز بعض الجوانب المبهرة للأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-: كالذكاء الشديد، والحماسة المتوقدة، والبذل في سبيل الدعوة؛ بيد أنه اُضطر إلى هذا اضطرارًا، وإلا فلو قدمه على أنه رجل بلا مواهب؛ لثار السؤال: وكيف إذن أسس ما أسس؟!
بيد أنه خلط هذا المدح بكثير من الذم الكاذب فصور الأستاذ حسن البنا -رحمه الله- على أنه انتهازي وصولي، لم يكن بذله خالصا لله بل لم يكن إلا سعيًا إلى مجد شخصي، وأن أتباعه تشربوا الوصولية، وعلى مدار الحلقات كانت إحدى الحلقات تُبرز جانبًا من الجوانب الحسنة في شخصية الأستاذ "حسن البنا"، فيقال: "إن المسلسل منصف"، والأخرى تبرز ما ألصقه به الكاتب من صفات سيئة، فيقال: "إن المسلسل متحامل"؛ ولأن مشهد النهاية كان هو مقتل الشيخ "حسن البنا" في سبيل دعوته، وهو مشهد كفيل بتعاطف الجماهير مع صاحبه لا سيما مع التعسف في منع الناس من شهود جنازته؛ فقد اضطر الكاتب إلى حذف هذا الجزء من القصة مدعيًا أنه أجله إلى الجزء الثاني من المسلسل، وهو أمر يثير الضحك والشفقة معًا، لا سيما بعد أن علل هذا الأمر بأنه لا يوجد وقت في الحلقة التي انتهت عندها الأحداث لمشهد النهاية، وأنه لم يشأ أن يمط في المسلسل حلقة لتصوير مشهد النهاية، مع أن ثلاثة أرباع ما جاء في الحلقات حشو كان يمكن الاستغناء عنه!
بيد أن المسلسل ركز بدرجة كبيرة على أن الأستاذ "حسن البنا" تشرب الفكر السلفي من الأستاذ "رشيد رضا" الذي كان أكثر تشددًا بكثير من أستاذه "محمد عبده"، وعلى مسئولية الأستاذ "حسن البنا" عن إنشاء وتدريب ودعم الجهاز الخاص الذي قام بعدد من الاغتيالات قبل مقتل الأستاذ "حسن البنا" -رزقه الله منازل الشهداء-، وهذا يخالف رواية الأغلب الذين كانوا يرون أن الجهاز الخاص أفلت من قبضة الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-.
ولنا على هذا المسلسل تلك التعليقات السريعة:
1- اعتاد "وحيد حامد" أن يُهاجِم جماعة الملتزمين على أنهم جماعة واحدة، وأنهم على قلب رجل واحد يحرِّمون مياه الصنبور، ويمتنعون من العمل في الوظائف الحكومية ونحوها مما تجاوزه الزمان منذ فترة.
2- اضطر "وحيد حامد" إلى التعامل مع الإخوان بالاسم؛ لظروف الانتخابات أو لغرض التجديد أو لكليهما.
3- الدعوة الإسلامية الآن في كل مكان، ولا يكاد يوجد مَنْ لم يسمع عن الدعاة إلى الله، وأكثر الدعوات انتشارًا: السلفيين، والإخوان، وبالتالي فالهجوم على إحداهما قد يصب في مصلحة الآخر، ومِنْ ثمَّ حرصت "الحدوتة" على مهاجمة السلفية بعنف؛ لكي يؤكد الكاتب أن البديل الذي يقدمه للإخوان هو: "الإسلام الوسطي"، الذين يمثله عامة المصريين وفق رؤيته.
4- مصطلح: "الإسلام الوسطي" مصطلح غامض فضفاض؛ فهذا كاتب يرفعه يريد به هدم الإسلام ككل، والإخوان يرفعونه يريدون به التنازل عن بعض ثوابت الدين التي مِنْ أهمها: "الولاء والبراء"؛ فالإخوان مرروا موضوع الطغيان الكنسي الذي بلغ أُوجّه باختطاف "الأخت كاميليا"، كما أنهم سكتوا عن البناء المستفز للكنائس، وما زالوا يرددون شعارات الوحدة الوطنية وما شابهها، ويَقبلون التعاون مع الليبراليين، وغيرهم.. حتى بعد ما انتشرت فضيحة تتعلق بالحياة الشخصية لابنة رمز ليبرالي جاء تعليق الإخوان: إنهم يعلمون أنه ليبرالي مِنْ قَبل أن يتعاونوا معه!
ونحن نقول: إن الصواب كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) (البقرة:208) ، أي: اقبلوا شرائع الإسلام كلها، والاحتراز من القبول بالحلول الوسط: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (القلم:9) .
5- اقتنعت أمريكا -على الأقل ظاهريًا- بوسطية الإخوان، وإمكان اندماجهم في الديمقراطية داخليًا، وفي النظام العالمي خارجيًا، ومِن ثمَّ فليس لدى أمريكا مانع من مشاركة الإخوان في الحياة السياسية، وفي الواقع هذا الأمر طعم تستخدمه أمريكا لابتزاز الفريقين الإخوان والأنظمة الحاكمة، وانعكس هذا على موقف الإخوان من قضايا الطغيان الكنسي، وغيرها كما أشرنا في النقطة السابقة.
6- معظم قوى المعارضة الأخرى تعرف أن الإخوان هم القوة الحقيقة في الشارع، وأن قوتهم مستمدة من إسلامهم، ومِن ثمَّ فهم يهرعون إلى عقد التحالفات الانتخابية مع الإخوان، ومع ذلك يحاولون الحفاظ على عالمانيتهم، وبالتالي فهم يعولون كثيرًا على أن عالمانيتهم لا تتعارض مع وسطية الإخوان، وإن كانت تتعارض مع المناهج السلفية!
7- مِن أجْل النقطتين السابقتين أراد "وحيد حامد" أن يُوجّه طعنة للإخوان في مقتل حيث حاول أن يقرر أن الشيخ "حسن البنا" وَرث قيادة السلفية عن "رشيد رضا"، وأن "رشيد رضا" عوَّل عليه في حرب الصوفية خاصة؛ لكي يحرض الصوفية ضد الإخوان، والواقع أن الأستاذ "حسن البنا" لم يصل في درجة التزامه بالمنهج السلفي لهذه الدرجة، وليته فعل.
لقد بدأ الشيخ "حسن البنا" حياته صوفيًا، ولكن ذكاءه الفطري وحماسته التي نظن أنها وليدة الإخلاص -نحسبه كذلك والله حسيبه- أبت عليه أن يحبس نفسه في جدران التصوف المثبطة، وهيأ الله الشيخ "رشيد رضا"، والشيخ "محب الدين الخطيب"؛ لينقلاه إلى رحاب السلفية، وفهمها الشامل لدين الله، وتصديها للحروب الفكرية في ذلك الزمان.
ومَنْ استمع إلى الشيء اليسير مما وصل إلينا من خطب الأستاذ "البنا" يجد خطيبًا سلفيًا جسورًا، يؤكد على أهمية الاتباع وعدم عرض الشرع على العقول إلا أن الله قدَّر نقله إلى الإسماعيلية بعيدًا عن أساتذته؛ ليأخذ هناك قرارًا بإغلاق ملف الموازنة بين السلفية والصوفية، ظانًا أنه من الممكن الجمع بينهما، وهي النقطة التي تمثل أعمق نقاط الخلاف بيننا وبين الأستاذ الراحل "حسن البنا" -رحمه الله-، ولا يتسع المجال هنا لمناقشتها، ولكن فقط نقرر أن كاتب "الحدوتة" تعمد مخالفة الحقيقة التاريخية الثابتة عن "حسن البنا" أنه جعل شعار جماعته: "دعوة سلفية وحقيقة صوفية"، من باب التهييج والإثارة والتحريض ليس إلا.