شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الكبر

ياسر عبد التواب • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الكبر:

يلعب الشيطان بابن آدم بنفس معصيته التي عصا بها ربه فأخرجه من الجنة؛ والمسلم الحق الذي ليس للشيطان عليه سلطان؛ بعيد عن الكبر فلا يتكبر على إخوانه ولا على أقاربه بما أنعم الله عليه من نعم، ولا على جيرانه فيطاولهم في البنيان أو ينافسهم فيما رزقهم الله من نعمه كسيارات وملابس؛ فذلك كله من متاع الدنيا وما هو إلا متاع الغرور، ولا يحقرهم لفقرهم ولا لقلة فهمهم، ولا لأن أبناءه أكثر مالاً، أو أحدّ ذكاء، أو أنجح في دراسة.

الكبر والعجب بالنفس:

الكبر والعجب بالنفس داءان من أدواء النفس الخطيرة، التي تمثل انحرافًا خلقيًا يجنح بالإنسان عن سبيل الحق، والكبر والعجب بالنفس من أبرز وأخطر العوامل التي تدفع إلى الانحراف في المفاهيم الفكرية، وذلك لأنه متى نفخ الكبر والعجب بالنفس في أنف المستكبر المغرور، واستوليا على عقله وإرادته، ساقاه بعنفٍ شديدٍ وتمرّد لئيم إلى غمط الحق وطمس معالمه، ثم إلى انتحال صور من الباطل يعمل على تزيينها وتحسينها بالأقوال المزخرفة، والحجج المزينة بالألوان والأصباغ، وهي في حقيقة حالها أشبه ما تكون بأخشاب المسارح ورسومها وستورها، مظاهر خادعة ولكن لا حقيقة لها.

صفة الكبر وتعريفه:

الكبر هو حالة نفسية تدفع الإنسان لأن يرى نفسه أفضل من الناس، فلا يتواضع لهم، ولا يقبل منهم نصحًا، وقد عرفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: قَالَ رَجُلٌ: "إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً". قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) (رواه مسلم) .

وبيَّن النووي -رحمه الله- معنى ذلك فقال: "( بَطَرُ الْحَقِّ ) هو دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا، ( وَغَمْطُ النَّاسِ ): بفتح الغين المعجمة وفتح الميم وكسرها وبالطاء المهملة أي: استحقارهم وتعييبهم".

قال ابن مالك: "الكبر هو تضييع الحق من أوامر الله -تعالى- ونواهيه وعدم التفاته".

قال المناوي -رحمه الله-: "وهو تعظيم المرء نفسه واحتقار غيره والأنفة من مساواته، وينشأ عنه الغضب؛ لأن غيره إذا ساواه غضب؛ والحقد لما أضمره المرء في نفسه من الترفع على من تكبر عليه، والغش لأنه لا ينصح من تكبر عليه، إذ قصده كون غيره معيباً منقوصًا".

الدافع إلى الكبر:

يرجع الكبر في جذوره النفسية إلى شعور المغرور بالاستعلاء الذاتي على الأقران والنظراء، وعلى المكانة التي يجد المستكبر نفسه فيها داخل مجتمعه، ويرجع إلى الرغبة بإشعار الآخرين بالامتياز عليهم، ولو لم يكن لهذا الامتياز وجود في الواقع؛ فهو انتفاخ بغير حق، وتطاول بغير حق، وتعالٍ بغير حق، وتصغير للآخرين بغير حق، أو تصغير ما لهم بغير حق.

ويرجع أيضًا إلى الرغبة الجامحة بعدم الخضوع لأحد، ويقترن بهذه الرغبةِ الشعورُ الجاهل المغرور بالاستغناء الذاتي.

قال الغزالي -رحمه الله-:

"اعلم أن الإنسان لا يتكبر إلا متى استعظم نفسه، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال، وجماع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي، فالديني هو: العلم، والعمل، والدنيوي هو: النسب، والجمال، والقوة، والمال، وكثرة الأنصار، فهذه سبعة أسباب" انتهى .

فقد يدخل الكِبر للعالم لما يرى تميزه في علمه وتفوقه على أقرانه؛ أو يدخل الكبر للعابد عند اجتهاده في الطاعات؛ فيظن أنه أفضل من غيره، ولا يخلو الأمر من مَنٍ على ربه -تعالى-؛ فيحبط بذلك العمل.

وقد يتكبر أصحاب الأموال أو الأنساب أو القوة والسلطان بما يعطونه من النعم، فيكون ذلك وبال عليهم؛ فيحل عليهم البلاء، وتسلب منهم النعم، ويعاقبون على الكبر عاجلاً أو آجلاً.

استعاذة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الكبر:

فلقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من الكبر.

الشيطان والكبر:

الشيطان أول متكبر؛ فقد افتخر بأصل خلقته فجره ذلك إلى مخالفة أمر ربه فأبى السجود لآدم -عليه السلام-؛ وصرح اللعين بهذا المعنى فقال: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (ص:76) ، ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) (الإسراء: 61) ، ( لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) (الحجر:33) ، فكفره الله بذلك، فالكبر كان واضحًا فيما قاله، وهو ما أدى به إلى الاستنكاف عن طاعة ربه لما أمره بالسجود.

فكل من سفَّه شيئًا من أوامر الله -تعالى- أو أمر رسوله -عليه الصلاة والسلام- كان حكمُه حكمَه، وهذا ما لا خلاف فيه، وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: "بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر.. "، وقال قتادة: "حسد إبليس آدم، على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر، ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة، ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه".

قال القرطبي -رحمه الله-: "كان في علم الله -تعالى- أنه سيكفر -أي الشيطان-؛ لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة -أي علم الله منه أنه سينهي عمله بالخير والطاعة والإيمان- وهذا صحيح، لقوله -صلى الله عليه وسلم- في صحيح البخاري: ( وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ ). وقيل: إن إبليس عبد الله -تعالى- ثمانين ألف سنة، وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الاستدراج، كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف لسانه، فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن. قال ابن عباس: كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده، فلذلك قال: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ )، ولذلك قال الله -عز وجل-: ( مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ) (ص:75) ، أي: أستكبرت ولا كبر لك، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي فلذلك قال: ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) (ص:74) .

بيان ذم الكبر:

الصفحة التالية