الكبر
ياسر عبد التواب • التزكية
قد ذم الله الكبر في مواضع من كتابه، وذم كل جبار متكبر، فقال -تعالى-: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (الأعراف:146) ، وقال -عز وجل-: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) (غافر:35) ، وقال -تعالى-: ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) (إبراهيم:15) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) (النحل:23) ، وقال -تعالى-: ( لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) (الفرقان:21) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (غافر:60) .
وقد ذم الله -تعالى- الكبر، وبيَّن أنه لا يحب أهله: قال -تعالى-: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا ) (النساء:36) .
فنفى -سبحانه- محبته ورضاه عمن هذه صفته؛ أي: لا يظهر عليه آثار نعمه في الآخرة، وفي هذا ضرب من التوعد، والمختال ذو الخيلاء أي: الكبر. والفخور: الذي يعدد مناقبه كبرًا. والفخر: البذخ والتطاول.
وبيَّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن المتكبر محروم من الجنة؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ ) (رواه مسلم) ، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: التقى عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر على الصفا فتواقفا، فمضى ابن عمرو وأقام ابن عمر يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: هذا -يعني عبد الله بن عمرو -زعم أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، أَكَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .
والمتكبر يبغضه الله -تعالى-: فعن مطرف، قال: "كان يبلغني عن أبي ذر حديث، فكنت أشتهي لقاءه، قال: قلت: حديثا بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حدثك، قال: ( إن الله -عز وجل- يحب ثلاثة، ويبغض ثلاثة... )، قال: فلا أخالني أكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!
قال: فقلت: من هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله -عز وجل-؟
قال: رجل غزا في سبيل الله صابرًا، محتسبًا، فقاتل حتى قتل، وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله -عز وجل-، ثم تلا هذه الآية: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) (الصف:4) ، قلت: ومن؟ قال: رجل كان له جار سوء يؤذيه، فصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت، قلت: ومن؟ قال: رجل سافر مع قوم، فارتحلوا، حتى إذا كان من آخر الليل وقع عليهم الكرى، أو النعاس، فنزلوا، فضربوا برءوسهم، ثم قام فتطهر وصلى رغبة لله -عز وجل-، ورغبة فيما عنده قلت: وما الثلاثة الذين يبغضهم الله -عز وجل-؟ قال: البخيل الفخور، وهو في كتاب الله -عز وجل-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (لقمان: 18) .
قلت: وما المختال الفخور؟ قال: أنتم تجدونه في كتاب الله -عز وجل-، البخيل المختال، قلت: ومن؟ قال: التاجر الحلاف أو البائع الحلاف" (رواه أحمد والحاكم، والطبراني في الكبير واللفظ له، وصححه الألباني) .
ومن الاختيال والكبر: عدم مراعاة الهدي النبوي في اللباس: فعن جابر بن سليم قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
ومن الآثار في ذم الكبر:
أخرج ابن جرير عن أبي رجاء الهروي قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخورًا، وتلا: ( وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا )، ولا عاقـًا إلا وجدته جبارًا شقيًا، وتلا: ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) (مريم:32) .
قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-: "لا يحقرن أحد أحدًا من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير".
وقال وهب: "لما خلق الله جنة عدن نظر إليها، فقال: أنت حرام على كل متكبر".
ويُروى أن مطرف بن عبد الله بن الشخير رأى المهلب وهو يتبختر في جبة خز، فقال: "يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله، فقال له المهلب: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك أوّلك نطفة مذرة، وآخرتك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة"! فمضى المهلب وترك مشيته تلك.
بيان حقيقة الكبر وآفاته:
قال الغزالي في الإحياء: "اعلم أن الكبر ينقسم إلى: باطن وظاهر؛ فالباطن هو: خلق في النفس، والظاهر هو أعمال تصدر عن الجوارح، واسم الكبر بالخلق الباطن أحق -أي يرتبط الكبر بما يبطنه المتكبر-، وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق.