شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الكبر

ياسر عبد التواب • التزكية

وخلق الكبر موجب للأعمال، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال: تكبر، وإذا لم يظهر يقال في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق الذي في النفس، وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه؛ فإن الكبر يستدعي متكَبَّرًا عليه ومتكَبِّرًا به، وبه ينفصل الكبر عن العجب؛ فإن العجب لا يستدعي غير المعجب، بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن يكون معجبًا، ولا يتصور أن يكون متكبرًا إلا أن يكون مع غيره، وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبرًا".

بيان المتكبر عليه ودرجاته وأقسامه، وثمرات الكبر فيه:

قد يتكبر صاحب الكبر -والعياذ بالله- على الله -تعالى- أو على رسله، أو على سائر الخلق؛ فإذن التكبر باعتبار المتكبر عليه ثلاثة أقسام:

الأول: التكبر على الله، وذلك هو أفحش أنواع الكبر، قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) (غافر:60) ، فمن استخف بالعبادة أو الدين أو التشريع فهو داخل في هذا، فيضاف ذلك الخلق من التكبر إلى ما ابتلي به من الكفر؛ لتتم بذلك خسارته!

القسم الثاني: التكبر على الرسل من حيث تعزيز النفس وترفعها على الانقياد لبشر مثل سائر الناس، ( إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) (إبراهيم:10) ، ( وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ) (المؤمنون:34) ، ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) (الفرقان:21) ، ( وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ) (الأنعام:8) .

القسم الثالث: التكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره، فتأبى نفسه عن الانقياد لهم.

ما يظن أنه كبر وليس كبرًا:

ليس من الكبر الاعتناء بالجمال ما دام لم يتخط حد الاعتدال من غير سرف ولا اختيال؛ قال -تعالى-: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون ) (الأعراف:32) .

وفي صحيح مسلم: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ ). فما أنكر عليه ذكر التجمل للجمعة وللوفود، وإنما أنكر عليه كونها سيراء.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ). قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ).

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة.

فعن خالد بن معدان قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل". وعن ابن جريج: "مشط عاج يمتشط به".

وقال ابن سعد: عن أنس بن مالك قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَكْثُرُ دَهَنَ رَأْسَهُ ويسرحُ لِحْيَتِهِ بِالْمَاءِ" (رواه البيهقي وابن الأعرابي في المعجم، وحسنه الألباني) .

وأخرج البغوي وغيره عن ثابت بن قيس بن شماس قال: "كنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأ هذه الآية: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا )، فذكر الكبر فعظمه، فبكى ثابت فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ) ما يبكيك؟ ( فقال: يا رسول الله إني لأحب الجمال حتى إنه ليعجبني أن يحسن شراك نعلي. قال: ) فأنت من أهل الجنة، إنه ليس بالكبر أن تحسن راحلتك ورحلك، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس (

وليس من الكبر إظهار الصدقة: عن جابر بن عتيك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ، وَإِنَّ مِنَ الخُيَلاَءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ اللَّهُ، فَأَمَّا الْخُيَلاَءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وحسنه الألباني) ، والاختيال هنا يقصد به والله أعلم أن يبرز الصدقة ويظهرها؛ ليقتدي الناس به.

قال الآبادي في شرح سنن أبي داود: "والاختيال عند الصدقة ربما كان من أسباب الاستكثار منها والرغبة فيها".

قال المناوي في فيض القدير (4/408): "لأن الإنسان يهزه رائحة السخاء فيعطيها طيبة بها نفسه، ولا يستكثر كثيرًا، ولا يعطي منها شيئًا إلا وهو مستقل له".

علاج الكبر:

1- الدعاء بأن يذهب عنا الله -تعالى- ذلك الكبر.

2- الصدقة كذلك أحد علاجات الكبر؛ لا سيما صدقة السر، فمِنْ أثرها أن يشعر المسلم بالتعاطف مع الفقير وأن يتواضع لله بخدمتهم؛ ثم هي تستجلب رضا الله على العبد.

فمن رحمة الله -تعالى- بالمتصدق أن يذهب الله -تعالى- عنه بصدقته ذلك الكبر، وهذا من فضل الله -تعالى- على أهل الطاعات أن يكافئهم بالمزيد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية