شهر الله المحرم
محمد رجب • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زال خير الله -تعالى- يُحمل إلى العبد حملاً، ويُساق إليه سوقـًا، فليس مِن زمان خيرٍ إلا وهو رسول بيْن يدي زمن خير آخر، فإذا انقضى يوم وراح، أعقبه يوم، بل أيام، يساق الخير الذي فيها للعباد، جودًا ورحمة مِن الله -تعالى- بهم، فما أجودَ الله -تعالى-! وما أجزل عطاياه! وما أكثر خيره!
فها هو زمان ذي الحجة قد مضى ليؤذن بانصراف العام، حاكيًا وشاكيًا وحاديًا؛ حاكيًا ما فيه مِن الأعمال، وما شغل لحظاتِه مِن كسب الناس وسعي المكلفين.
وشاكيًا ما وجد مِن سوء صحبة العباد، فما قاموا بحسن صحبته، وما وفَّوه ضيافته.
وحاديًا أهل الدين، مناديًا عليهم لينذر برحيله رحيل الخيرات؛ إذ يوشك بانقضائه أن تنقضي مواسم خيرٍ تتابعت؛ لم يبقَ منها إلا أيام شهر الله المحرَّم، فقد مضى شعبان ومِن بعده رمضان، ولم تزل الخيرات تفوت حتى مضت خير الأيام، أيام العشر، وها هو ذو الحجة قد مرَّ مِن بين أيدي العباد وفات؛ فكيف لم يجدوا حداءه؟! كيف لم يسمعوا نداءه؟! فما بقي مِن ذلك إلا صداه، يتعجَّل في أهل الدين قصودَهم وسعيَهم لاستدراك ما فاتهم مِن الخيرات فيما استقبلوه مِن الأوقات، يحذرهم طول انقطاع عن تلك المواسم بعد شهر الله المحرم، فهلا كان التشمير!
هلا كان الاستدراك!
يمضي ذو الحجة بعامِه ليأتي عام جديد، يستدعي مِن العبد نظرًا في سنة الله -تعالى- الجارية في تعاقب الأزمان وتوارث الأحيان "ظروف السعي، ودواوين الكسب"؛ لتدله على عموم جريان تلك السُّنة في خلق الله -تعالى-، فليست قاصرة على أزمان شغلتها أعمال وأحوال، بل مقصودها الأصلي هو العمال، ليستخلص العبد منها مشهدًا وعبرة؛ مشهد الإحياء والإماتة، ليتعبد لله -تعالى- بإثبات ذلك له -سبحانه-، فيشهد قلبه ربه وقد تفرد بذلك، يحيي ويميت، فيتعبد القلب لله -تعالى- باسمه المحيي والمميت، ليتحقق فيه توحيد ربه بذلك وفيه، فيدله تعاقب الأزمان على ذلك ( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (المؤمنون:80) ، فيعقل عن ربه سننَه وأمرَه، ينبه قلبَه أفولُ الأيام.
كم راحت أعمال مع تلك الأيام، فهل تراها تعود؟!
كم انقضت آجال بانقضائها، فهل ترى أحدًا يرجِعها؟!
مضت أيام وأفلت أزمان؛ وأفل معها أعمال وآجال، فالله أماتها، وعقب ذلك أيام وأزمان، تأتي لتشغل بأعمال وآجال، فالله يحييها، فالله -تعالى- أوجدها، أخرج حيًّا مِن ميت، وأخرج ميتًا مِن حي، فالله فعل ذلك ( تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (آل عمران:27) ، فلا إله غيره ولا رب سواه؛ ليجد العبد في ذكر صباحه ومسائه بذلك حلاوةً، لم يكن يتذوقها مِن قبل: فلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.
أما العبرة: فالاستخلاف، فأيامه يخلف بعضها بعضًا، كذلك ما فيها مِن الأعمال، بل ما فيها من العُمَّال، يشهد غايةَ تقدير الله -تعالى- بتلك السنة، سنة الاستخلاف؛ يشهد ذلك في قوله عزَّ ذكره: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) (يونس:14) .
ها هو زمان العشر قد رحل بخيره ليسوق الله إلينا خيرًا آخر، في زمان آخر، بلا سبب ولا طلب.
فدونك شهر الله المحرم، زمان شريف، وشهر حرام، وداعية إلى الطاعات، وحادي القلوب إلى مزيد السعي، وتحصيل الكسب، فلا يفوتك فيه ما مِن قبل فات، لا يضيع منه ما ضاع مِن حقوق سالف الأوقات.
قد سيق إليك ذلك الزمان بصنوف مِن الخير، وأنواع مِن التوفيق، بل فيه يوم مِن أيام الله -تعالى-، يوم عاشوراء، يكفِّر السنة الماضية، كما بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وحق ذلك في القلب شهودٌ يحمل العبد على الانتفاع بما في ذلك الزمان، والقيام بوظائف تلك الأحيان، هذا وقد نبهتُ مِن قبل -في الكلام على فضل الأيام العشر- على سنة التفاضل في خلق الله، وما ينبغي أن يقوم في القلب مِن المعاني عند النظر فيها، فاستصحبه في كل ما تجدد عليك مِن مواسم الخير وأزمنة الطاعات، عساك إن فاتك حضورُ القلب بعضَ ذلك فيما فات، أن تجده في ما استقبلك من الأوقات، والله المستعان.
فمن مشاهد ما يأتيك مِن أيام الخير: مشهد يقوم على ما تنبه القلب إليه مِن سنة التعاقب وغاية الاستخلاف؛ ألا وهو: مشهد الإمهال، إمهال الله -تعالى- للعبد، فما زال له في الأزمان أجل، قد أمدَّ الله -تعالى- له في عمره حتى عاش ذلك التعاقب، ورأى هذا الاستخلاف، فما أحسن صنع الله بالعبد إذ أتى به إلى تلك الأيام، وغيره انقطع به سعيه، وانقضى في الأزمان أجله، ما زال العبد مساقـًا بإبقاء الله -تعالى- له، وإمهاله إياه، ما زال يتقلب في مراحل الحياة، متعرضًا لرحمات الله -تعالى- فيها، قد أمكنه ربه مِن سعيٍ حرمَه غيره، وأمتعه برزق منعه سواه، يوم يأتيه بما فيه مِن الخيرات، كان يمكن ألا يلاقيه أبدا، كان يمكن أن يأتي ذلك اليوم على أهل الدنيا، والعبد تحت التراب مقبور، وعن سعيه مقطوع مأسور، فلا خيره حصد، ولا رحمته وجد، فكم مِن ديوان طواه على صاحبه الموت، غير أن رحمة الله -تعالى- تداركته بسابق قدره فيما قضى مِن الآجال؛ إنه الآن مِن أهل الدنيا، يلقى ذلك اليوم ويلقاه يومه، لم يمنعه سابق قضاء الله -تعالى- عنه.
فما أحسن ذلك القضاء!
وما أسعد العبد بيوم تبين فيه نعمة الإمهال! كاد أن يفوته ذلك، كما فات غيره.
فالحمد لله ربنا ذي الجلال على ذلك الإمهال، والمد في الآجال.
