شهر الله المحرم
محمد رجب • التزكية
ومِن هذا المشهد يتطلع القلب إلى مشهد آخر، وهو: "مشهد الانتهاز"؛ فلعله ألا يلقى يومه ذاك ثانية، فليحسنْ الوداع، فساعات يومه ظروف سعيه، فحقه الآن أن يكون شحيحًا بها، ربما لا تأتيه، بل ذلك أقرب، فهو يرى انقضاء الآجال يصيب منه جوارًا وشعارًا، فما زال الموت يقارب، يوشك أن يسدد، فحاله الآن الترقب والقلق، فما الذي عن انتهاز ساعاته يلهيه؟! وأيشيء دونه يغريه؟! ومظروف أيامه زادُه وعدتُه، فهل تراه الآن إلا حريصًا عليها، ضنينًا بها، يكاد ألا يفوته لحظات منها.
ومشهد آخر: "مشهد الشكر والامتنان"؛ شكر لله -تعالى- على جميل فضله، وإثبات له بالمن، فله -تعالى- الفضل والمن، فهو أهل ذلك -سبحانه-، فكل خير فمن جميل عطائه، فهو الذي أخرج عبده مِن الظلمات إلى النور، وامتن عليه بذلك، ثم لم يزل -تعالى- متفضلاً عليه بالنعم، ينقيه ويرقيه، يطهره ويزكيه، كما قال -جلَّ ذكره-: ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (النور:21) ، فذلك محض فضله، فالعبد يشهد أيام الخير صحافًا يملؤها ماء مبارك، ليطهُر به قلبه، وتزكو به نفسه، ويثبت به قدمه، ولولا ذلك لهلك؛ لولا فضله -سبحانه- لأتلفته آفاته، وأثخنته عثراته، لكن الله سلَّم.
فالقلب الآن حال لقائه بتلك الأزمان لمتوجه بالشكر لصاحب الفضل، لمثبت المن لأهله -سبحانه-، يعلم ضرورته إليه، وعظيم افتقاره له، لا شيء مِن عند نفسه إلا الهلاك والتلف، يشهد نفسه عاريًا إلا مِن فضل ربه، جائعًا إلا مِن جود سيده، ضالاً إلا مِن هداية مولاه.
فهو في فضل ربه كأرض جُرُز أنبتها الله -تعالى- بماء سمائه، فأيام الخير مسوقة إليه سَوقَ الماء إليها، ما كان ذلك إلا بالله ورحمته، فله الحمد أولاً وآخرًا، باطنًا وظاهرًا ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ ) (السجدة:27) ، فلا إله غيره، ولا رب سواه.
ومِن المشاهد كذلك: حبُ المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ الرحمة المهداة والنعمة المسداة؛ سبب كل خير؛ وباب كل فضل، وحسنُ التعبد بما في قوله -تعالى-: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) .
فانظر إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-، في فضل المحرم وعاشوراء: ( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ ) (رواه مسلم) ، فارجع البصر في كلامه المشرَّف لترى شفقة عامة ورحمة بالغة، تنال كل عبد مسلم، لتراه وقد استدرك للعبد فرائضه ببيان ما يجبرها من النوافل والقربات، ويعتاض به عن وجوه النقص في المكتوبات والواجبات حتى إنه -صلى الله عليه وسلم- بالغ في النصيحة لأمته ببيان مراتب الندب، ومنازل الفضل، فلا يبقى مِن العبد إلا تحصيل تلك الأعواض، فرحًا برسوله، شاكرًا لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، مملوء القلب بحبه، منجذبًا لطريقته وهديه، قد استشعر ما لهذا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- مِن الخير عليه والبركة، والإشفاق والرحمة.
وانظر إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ) (رواه مسلم) ، وارجع البصر في ذلك التعبير: ( أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ )، ألا ترى في لفظه -صلى الله عليه وسلم-: ( عَلَى ) رفعةَ مقامِه، وعلو منزلتِه، فإنه لفظ مستعار في ذلك الموضع؛ يُشعر بالإيجاب، أي بإيجاب ذلك الاحتساب، وليس كذلك، وإنما هو الوثوق فيما له عند الله -تعالى-، والطمأنينة لصدق وعده له، فأنت ترى طمعه المؤكد -صلى الله عليه وسلم- فيما عند ربه، ورجاءه الموثَّق في عطائه، وقد توسل بكل ذلك لمصلحة أمته؛ انظر كيف صار ما له عند الله -تعالى- إلى أفراد أمته، آل إليهم، بل إليك، صار نفعه إليك، فكلٌ يناله مِن ذلك الخير بحسب استجابته له -صلى الله عليه وسلم-.
أفلا تستشعر رحمته وحبه؟!
أفلا تجد رأفته ووده؟!
أوَ لا تجد تلك الخيرات التي أرشدك إليها مطايا تحملك إليه إلى متابعته؟! إلى القيام بحقه؟!
فاللهم صلِّ على محمد، وأنزله المقعد المقرب منك يوم القيامة.
وانظر إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا اليهود في صوم عاشوراء: ( نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ ) (متفق عليه) ، فإنك لتجد عزة تسري في نفسك، قد خالطتها بشاشة وسكينة؛ لمَّا جمعك مع رسول الله ضمير واحد، هو -صلى الله عليه وسلم- من ضمَّك إليه، صيَّرك معه في لفظ واحد، وكأنه اللواء، لواء استحقاق وأهلية؛ لولاية رسول كريم مِن أولي العزم، فنحن أولى بالكليم -عليه السلام-، فما أشرفَ ما أٌعطيتَ؟! وما أعزَّ ما وُليتَ؟!
ويؤكد ذلك لفظه -صلى الله عليه وسلم-: ( فَصُومُوهُ أَنْتُمْ ) (متفق عليه) ، فذاك تشريف في قالب تكليف، فهذه الولاية لها أعباء بها تعرف، وعليها تصديق دعواها، فهي ادعاء إلا أن يقوم البرهان بالأعمال الصالحة، والقيام بوظائف الشكر، والخدمة بالطاعات، متابعة يلتحم فيها اللاحق بالسابق، فإن مات عامل لم ينقطع بموته عمله، بل يرثه في ذلك وليه، فيحمل عنه قصده وسعيه، ويستلم منه عهده وجهده.
