شهر الله المحرم
محمد رجب • التزكية
ومِن ذلك تعلم أنه لا إشكال مِن تداخل المكفرات، فلا يقال: قد كفرت الصلواتُ السيئاتِ، فأين أثر الجمعات؟! أو صوم عرفة؟! أو عاشوراء؟! فإنه ما مِن مكفر مِن هذه الأعمال إلا وقوته بإزاء القيام بإحسانه ورعاية حقوقه، باطنًا وظاهرًا، والنقص يعني ضعفًا في تلك القوة، فلا يستوفي عملُه سيئاته، بل يبقى منها ما يعتضد ببقايا فاتت أعمالاً أخرى مِن المكفرات حتى يجتمع على العبد الكثير مِن العصيان متوهمًا ذهاب ذلك ومحوه.
لذلك كان مِن رحمة الله -تعالى- أن جعل تلك المكفرات يستدرك بعضها بعضًا، مستغرقةً مراحل الزمان، فالصلوات الخمس لساعات يومه حتى إذا ما اجتمع عليه بقايا ذنبه أتته أيامه بالجمعات ثم شهوره برمضانات، ثم لا تزال الأعمال تتعاضد ويقوي بعضها بعضًا، ولعله أن يوفق إلى رأس ذلك مِن الحج المبرور، فيرجع مِن ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فلا إشكال في ذلك -والحمد لله-.
أما في حال استيفاء العمل الذنبَ بحيث لا يكون منه ما يكفره العمل التالي فذلك إن وجد فهو نادر خاص، لا يصلح للتعميم، ويكون أثر التكفير في حقه رفعة في درجته وعلوًّا في منزلته، أو إعانة على دفع أسباب الذنوب والسيئات فيما يُستقبل مِن الزمان، وعليه قوله -صلى الله عليه وسلم- في صيام عرفة: ( يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ ) (رواه مسلم) ، والله تعالى أعلم.
فهذه مشاهد في تلك الأيام كان مدادها عطاءً، وحروف كلماتها نداءً، تنادي على قلوب أهل الدين عسى أن تكون لسعيهم حداءً.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصرِّف قلوبنا على مرضاتك وطاعتك، والحمد لله رب العالمين.
وصلِّ اللهم وسلم على محمد، وآله وصحبه أجمعين.
