شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

شهر الله المحرم

محمد رجب • التزكية

وفي ذلك مشهد الاستبدال، فقوله: ( فَصُومُوهُ أَنْتُمْ ) إعلان باستبدالكم بهم، استبدال بهم، واستعمال لكم، وهي سُنة في المكلفين جارية، فهم بيْن مستعمل ومستبدل، فكل تكليف مِن الله -تعالى- فهو موضع قد استخلفك فيه، واستعملك عليه، فإن لم تقم بحق ما ولاك ربك استبدل بك، واستعمل على ذات الموضع غيرك، فلا محاباة في ذلك ولا مجاملة، فيحسُن مِن العبد بذلك التعبدُ بما قاله -جل ذكره-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (المائدة:54) ، وفي قوله -تعالى-: ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ) (محمد:38) .

ومِن المعاني كذلك في فضل شهر الله المحرم وصومه، ما نبه عليه قوله الشريف -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ )، فإنه جعل صوم المحرم إلى صوم رمضان بإزاء قيام الليل إلى الصلوات المكتوبات، فإن كان إحسان المكتوبات يعين العبد على القيام، ويلحقه بالمتهجدين، ويلزمه شعار الصالحين؛ فإن حسن القيام بحقوق رمضان يفضي إلى حسن القيام بصيام المحرم، فصار التوفيق إلى ذلك دليلاً وعلامة على التوفيق في رمضان، يشبه أن يكون علامة على القبول. وإن كان الأمر كذلك؛ تعيَّن على العبد مراعاة زمان المحرم، إذ بذلك يتعرض لدلائل القبول، ويتلبس بحال أهله، فإنما يستأنس في القبول بذلك، فلعله أن يلحق بهم، وعساه أن يثبت له وصفهم، فرجاء القبول بالتعرض لأماراته، والتلبس بأحوال أهله، والله تعالى أعلم.

وفيه معنى آخر: أنك تجد بذلك كأنما أُريدَ استقبالُ العام متصلاً بما كان في رمضان، فالعبد الآن حال استذكار لما كان فيه مِن الأعمال، ومراجعة ذلك، فيصير زمان المحرَّم عوضًا لاستدراك ما فات في رمضان، كما يكون في شأن القيام، من معالجة رعونات تكون مِن العبد في المكتوبات؛ لا يسلم للعبد علاجها إلا في مستراح القيام، فالمحرم مستراح الصيام.

وفيه معنى آخر: فإنك لا تستقبل العام بمراجعة ما فات مِن رمضان فحسب؛ بل متصلاً برمضان الآتي في ذلك العام، ترمي ببصرك إليه، تستعين بشهر المحرَّم عليه، وتتزود لأجله منه، فإن صلاة الليل عون على المكتوبات، وزاد لحسن القيام بها، ليس كسائر النوافل، بل ثمَّ أمر زائد، تُعيِّنُه تلك الأفضلية التي بينها ذلك الحديث الشريف، فعونها أفضل، وزادها أوفر، وهكذا صوم المحرم، عونه أفضل، وزاده أوفر، فحق ذلك أن يستدعي في القلب تأهبًا لإحسان صحبة المحرم؛ عساه أن يتزود بخيره، ويستعين بما فيه للقيام بحقوق رمضان، ليرى شهر الله المحرم في شهور عامه كساعات الليل في يومه، أشد وطئًا وأقوم قيلاً؛ غير أنها في شأن الصيام.

ومِن المعاني كذلك ما قاله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ ) (رواه مسلم) ، مخالفة لليهود إذ كانوا يصومون العاشر، فإنه -صلى الله عليه وسلم- لم يزل حريصًا على استقلالية أمته، فيسد كل ذريعة يمكن أن يتخفى مِن ورائها انحلال ذلك، أو يتسلل تميع فيه، فلا مشابهة أو تقارب، بل فصل تام، فلهم دينهم ولنا دين، فالأمر بمخالفة أهل الكتاب في سنة جزئية كصوم عاشوراء أغلق أبواب شر الانزلاق إلى تصور خاطئ قد يقع فيه بعض الناس، فيتوهمون بيننا وبينهم اللقاء أو التقارب، بل ما كان صوم عاشوراء إلا بأحقيتنا بموسى منهم، بل ما تأكد لنا إلا بأمر رسولنا، بل زادنا فيه ما لم يعد معه تشبه أو التقاء؛ ليقوم في القلب بذلك شاهد عقد الولاء والبراء، ليتحقق في القلب بالتدبر في عاشوراء ولاؤه لأهل الإسلام لأهل الدين والملة مِن لدن آدم إلى قيام الساعة؛ أبانَ ذلك ولايتُه لواحد مِن صالحيهم موسى -عليه السلام-: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:92) ، وليتأكد في القلب براءته مِن أهل الكفر، بل مِن أفعالهم وسائر شأنهم، ليتخلص القلب مِن كل ما خالف دين الصدق ، وملة الحق ، فلا لقاء أو مشابهة ؛ فإنه من تشبه بقوم فهو منهم.

ومِن المعاني كذلك ما في جوابه -صلى الله عليه وسلم- عن صيام عاشوراء: ( يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ ) مِن التنبيه عن حال العبد مِن التقصير الذي هو أهله، فالأصل فيه الذنب والعصيان، وخلاف ذلك خاص نادر، فلا يقوم عليه حكم، ولا يصح معه عموم، فغاية تلك الطاعة تكفير السيئات، مغفرة لآثار النقائص والمعايب، والتفريط والتقصير الذي جُبلت عليه النفوس؛ لأنها عظيمة الظلم لها ولغيرها؛ فهي ظلومة، وهي شديدة الجهل بما لها وما لغيرها، فهي جهولة، فكان الخطأ لائقًا بها، بل لازمًا لها، فغايتها مِن تلك الطاعة تكفير السيئات، فصوم عاشوراء بذلك كالصلوات الخمس، والجمعات وصوم رمضان، كل ذلك مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، فلا وجه لمن قال بأن الحديث سكت عمن لم يقترف المعاصي، فليت شعري مِن ذاك؟! فالأصل في العبد التقصير والزلل.

وبذلك يظهر أن تكفير عاشوراء مشروط باجتناب الكبائر، وهذا قول جمهور العلماء، إلحاقـًا بما للصلوات وغيرها، بل هو مِن باب الأولي؛ إذ إن صيام رمضان أفضل مِن صوم عاشوراء بالنص والإجماع، ومع هذا فهو مشروط في تكفيره باجتناب الكبائر، فعاشوراء أولى بهذا الشرط، فكأن قوة هذه الطاعة معطلة إلا بذلك الشرط.

وفيه كذلك أن قوة تكفير السيئات كمية قابلة للزيادة والنقصان، شأنها شأن الصلاة؛ لا يُكتب للعبد إلا ما عقل منها، فلربما لا يكتب له مِن صلاته إلا عشرها، وبقدر ذلك تكون قوة الآثار؛ فقوة أثر تكفير السيئات في صوم عاشوراء بحسب ما كان مِن إحسانه والوفاء بحقه، يتم بتمامه، ويعدم لعدمه، وينقص بنقصانه؛ فلا تكاد تجد مَن يسلَم له صومه تامًّا، ليجد أثره تامًّا، وليت شعري مَن يكون هذا؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية