شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تنبيه قلوب المتدينين عند فَقْدِ مطالب الدين

محمد رجب • التزكية

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،أما بعد :

فهذا تذكير للقلب بما ينبغي عليه في حاله مع الله -عز وجل- حال حصول النوازل والحوادث، وحال رؤيته لما يجريه الله -عز وجل- عليه من الأقدار، من عطاء وسلب، ومن منح ومنع، ومن إيجاد وفقد.

والكلام في شأن حال الفقد، فإنه متعين لما نراه من رفع لدلائل على الدين كانت،وفقد لمطالب من الإيمان زالت .

وهذا إن كان في شأن العبد كله؛ فهو آكد في أمور الدين، فإنه إذا ما فقد العبد شيئاً من الدين، أو من وسائل ما يُحَصِّلُ به التدين في قلبه، وما يطلب من خلاله مرضاة ربه: فلابد أن يجد القلق والأسى والأسف والحزن على ذلك، فهذا يعني حياة القلب ووجود مادة الإيمان والخير فيه، فهو حريص على ما ينفعه شحيح بما يوصله إلى ربه، وبما يجد الله تعالى عنده، خائف قلق من فقد ذلك وسلبه، فإن فقده وجد الأسف والأسى والحزن لزوما، وزاد قلقه وخوفه؛ ترى هل يكون ذلك الفقد مقدمة بين يدي فقد آخر؟

وقد علمنا أن الله عز وجل قد رتب الأسباب لحصول الدين والإيمان، بل كل مقام من مقامات الدين والإيمان فله أسبابه ومعطياته ومقدماته، ففقد مقدمة يعني فقداً أو خللاً في مقام من مقامات الدين والإيمان . ومثال ذلك فيما قال الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة (111)

فهذا مقام عالٍ من مقامات الدين والإيمان وهو طلب الجنان وموعود الرحمن -الذي وعد في التوراة والإنجيل والقرآن، وقد جعل الله تعالى ثمن ذلك ووسيلته تحقيق الجهاد في سبيل الله تعالى– فهذه وسيلة من ورائها مطلب وغاية؛ بل مقام من ورائه مقام، فالجهاد في نفسه -وإن كان وسيلة لتحصيل موعود الله عز وجل بالجنة- فإنه مقام ودين وإيمان، جعل الله -عز وجل- لتحصيله مقدمات ووسائل وتمهيداً وأسباباً، إن حصَّلها العبد حصَل له ذلك المقام، وإن فقدها العبد فقد ذلك الدين والإيمان، فقدَ تدينا لله -عز وجل- بالجهاد في سبيله، وفَقَدَ من ورائه كذلك تحقيق ما ترتب عليه من الموعود الأعظم والمطلوب الأكرم في جنة الرضوان، إذ قال : ( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ، أما وقد غلقت دون ذلك الأبواب ؛ ترى كيف نحقق ذلك؟ كيف ندرك هذا الدين،ونحصل ذلك المقام الكريم؟ كيف نستوجب جنة رب العالمين؟ كيف نكون من أهل الجهاد في سبيل الله الحق المبين؟ فإذا برحمة الله تعالى تدركه في لحاق الآيات،ليبين له عدته لتحقيق ذلك المقام وهذا الدين،فلا يفوته ذلك،ولا يحرم بفقده موعوده،إذ لابد من النظر في خطاب الله – عز وجل –،والتدبر في سياق موعود الآيات،فإنه تعالى يبين له مقدماته وأسبابه وآلات تحصيله،فيدرك العبد برحمته ولطفه: عبدي،أُريك كيف تحصل ما وعدتك به.

فيقول تعالى في لحاق الكلام : (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) التوبة (112)

فما أسرع الجواب لما أشكل،وما أعجل البيان فما أثقل،فكأن كلمات الآيات وقد صارت علامات تشير إلى طريق التحقق بذلك المقام،من المجاهدة والمقاتلة في سبيل الله،وما يكون عليه من موعود الله في الجنة،فلتحقيق ذلك لابد من الاتصاف بتلك الأوصاف، فيا أيها المكلفون : إن أغلق عليكم الباب،وسدت عليكم الطرق ؛ فلابد أن تتحلوا في أنفسكم بتلك الأوصاف التي يفتح الله – عز وجل – لكم بها ما غلق من الأبواب، (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ، فهؤلاء المؤمنون الذين اشترى الله تعالى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة كما بين في الآية الأولى، هؤلاء المتصفون بتلك الأوصاف حقيق أن يكونوا أهل الجهاد والقتال في سبيل الله، فيقاتلون في سبيله؛ فيقتُلون ويُقْتَلُون، ثم يحصل وعد الله تعالى الذي وعد في التوراة والإنجيل والقرآن (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ) ، فهذا الاستبشار يؤكد في نهاية وخاتمة الآية : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) يعني المؤمنين الذين اتصفوا بتلك الأوصاف، فلا يتم أبداً أن يتحقق العبد المكلف من مقام ودين الجهاد والقتال في سبيل الله على الحقيقة إلا أن يكون متصفاً بتلك الأوصاف الكرام،فمن غلق أمامه الباب فلا يزال في شغل،فإنه ما يُغَلَّق باب تلك الأوصاف أبداً أبداً ، فما زالت التوبة والعبادة والحج والصوم والصلاة وطلب العلم النافع :- ما زال كل ذلك مفتحة أبوابه، ما يحول بينه وبينها عارض، ولا يمنعه الاشتغالَ بتحققها مانع، فإذا تحقق بها فتح له باب ما غلق من المقام المطلوب، وتفضل الله تعالى عليه برجاء موعوده المرغوب.

وهذا الذي ذكرنا من كليات القرآن، وسنته الجارية في وعده وعطاياه، بل هو سنة ربنا – تبارك وتعالى – في كل ما أقامه ديناً ورتب عليه موعوداً وفوزاً وثواباً عظيماً.

الصفحة التالية