تنبيه قلوب المتدينين عند فَقْدِ مطالب الدين
محمد رجب • التزكية
وكذلك منه قول الله – عز وجل –: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) آلـ عمران (102)،فهذا الخطاب من الله – عز وجل – لعباده وقد اشتمل على هذا الاحتمال المخيف،والأمر المهيب،الذي يفزع قلوب أهل الدين والإيمان أن يموت العبد على غير الدين والإسلام،أن يختم له بخاتمة السوء والكفر -والعياذ بالله-، فهذا الذي أقلق العباد، أن يكون الله -عز وجل- يوم طبعهم، طبعهم على سوء خاتمة وعلى كفر وذلة، فما زال ذلك القلب قلقاً،فكأن الله -عز وجل- في ذلك الخطاب أمرهم : أيها العباد المكلفون إياكم أن تموتوا غير مسلمين، مت عبد الله مسلماً، وإياك أن تحرم التوفيق إلى ذلك. إلا أن سؤال تعجب وكأنه جاء من المكلف:- كيف أحصل ذلك، والأمر فيه كله لله، لا يملك عبد من أمر موته وخاتمته شيئا ؟! فيجئ الجواب ببيان ذلك، وما يحصل به العبد عدته فيه،وذلك في سياق الآيات ،من بين يدي ذلك الخطاب ؛ في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
فهذا البيان قد جاء في سباق تلك الآية التي أقلقته في سعيه، ويبقى على العبد النظر فيه، فهو عدة الرجاء في الموت على الدين والإسلام، فعدته في ما يتلى من آيات الله تعالى، وفي ما يؤثر من هدي رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وفي استمساك بهما، علما وعملا، ظاهرا وباطنا، شرطَ استعانة لازمة بالله، لا تنفك عنه طرفة عين، وافتقار تام إليه يستغرق منه كل نظر إلى ذلك السعي والاستمساك، فذاك عين اعتصامه بالله تعالى . ويزيد بيان الله تعالى له في لحاق الآية ؛ فيقول جل ذكره بعدها : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم منها) .
فكأن طلب العبد الموت على الدين والإسلام ؛ وهو المنة العظمى في خاتمته،يتطلب تدبرا في منن أخرى سابقة، بالنظر فيها يتأهل القلب ويتأهب للمنة الخاتمة، فيتوجه الكلام في الآيات إلى تلك المنن، إلى مِنَّة الله السابقة عليه بالهداية، وبالإنقاذ من النيران، ولو شاء سبحانه لوكله إلى نفسه وإلى طباعها وإلى أخلاقها وإلى شرها، لو شاء الله لوكله إلى نفسه فتلفت نفسه في تلك الحفرة من النار، ولكنه أقامه واجتباه واصطفاه بغير استحقاق منه أو سبب، بل بفضل واسع من الله تعالى عليه. ثم لما لم يكله إلى نفسه وشر طباعها، بل جعله على طريق مستقيم وهدى مبين قويم، كان ذلك مستلزماً لألفة خاصة،هذه الألفة أن يجتمع ذلك القلب بما أقامه الله -عز وجل- فيه من الحق مع قلوب أخرى على ذات الطريق يجتمعون، يتحابون، يتآلفون، يتعاونون على مرضاة رب العالمين ليحققوا وصف الإيمان الذي وصفهم به ربهم (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله ) ، هذه الألفة التي هي مَجْلَبَةُ الرحمة، فما أعظم سابق نعمته، وما أجل سابغ منته، فبذلك يعان على الاعتصام بالله، والتمسك بحبله وهداه، استمساكا بالآيات المتلوة، والهدي المأثور، في افتقار تام إلى الله تعالى .
والمقصود أن كل مقام من الدين من ورائه مطالب، ومن بين يديه مقدمات ودلائل عليه، فما زال تحصيل تلك الدلائل شغل العبد، يتقلب بينها من مرتبة إلى مرتبة، وكلما حصَل خلل رُد إلى التي قبلها، فيفزع ويعود على نفسه بالأسف والتأسف والمعاتبة بل المعاقبة،عسى أن يدفع ذلك الحرمان، وأن يستجلب ما فاته من خيرات الرحمن.
فإذا فقد العبد ما يأخذ به إلى دين الله -عز وجل- لابد وأن يجد الأسف والحزن، فالحزن في أي قلب ما يكون إلا من مفارقة المحبوب، ليس له سبب سواه، سواء كان ذلك المحبوب المفقود من أمور الدين أو من أمور الدنيا، قد يجد الحزن على فراق المال، الولد، العافية، العلم، السعة، ولذلك جعل الله -عز وجل- مفارقة المشتهيات المحبوبات من أعظم العقوبات كما قال الله تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ) سبأ(54).
فالفرح والسرور بالظفر بالمحبوب، والهم والحزن والأسف بفوات ذلك المحبوب، فإن حجب العبد عن خير كان يصيبه، وعن طريق كان في معرفة الله يسلكه، لابد أن يرجع ذلك على قلبه بالأسف والأسى والحزن، فالله تعالى حجبه، ستر عنه ورده. لكن إذا صح مقام الأسى والتأسف على فوات ذلك التدين؛ عوضه الله وجبره، فكان كعبد عصى ليريه الله منزلة ضعفه ليكسره وليكسر ما فيه من طباع نفس متكبرة فيعود ضعيفاً ذليلاً منكسراً بين يدي الله تعالى . فإذا فقد محبوبٌ يأخذ بيد العبد إلى الدين، حجب العبد عنه، فعساه بذلك التحسر والأسى أن يستدرك خيراً، ليزداد في طلبه، ليتقوى شوقه إليه، فإنه لو دامت له الأحوال لألفها واعتادها ولم يقع منه موقع التلذذ والاستيطاب، فلربما حجبه الله تعالى ورده عن ذلك المقام، وأفقده ذلك التدين، ليكمل فرحه ولذته وسروره بها إذا ما استدرك أمره وجبره الله تعالى وعَوَّضَه، بعد أن يرى في قلبه الأسى والتأسف والحزن ومعاتبة النفس ومحاسبتها ومعاقبتها، فيستدرك ثانيةً ما فاته .
وكذلك ليعرفه الله قدر نعمته عليه بما أعطاه،فإنه لما ذاق مرارة الفقد عرف حلاوة العطاء والوجد .
