شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تنبيه قلوب المتدينين عند فَقْدِ مطالب الدين

محمد رجب • التزكية

فإن تمكن من ذلك، فُتِحَ له باب آخر، فُتِحَ له باب الحياء من الله، نور يقع في القلب، يُريه ذلك النور أنه واقف بين يدي ربه -عز وجل-، فيستحيي منه في خلواته وجلواته، وعندها يُرزق المراقبة للرقيب ، يُرزق الإحسان، يعبد الله وكأنه يراه، يدوم تطلعه إلى حضرة العلي الأعلى، حتى كأنه يراه، يشاهده فوق سماواته، مستوياً على عرشه، ناظراً إلى خلقه، سامعاً لأصواتهم، مشاهداً لبواطنهم، فإن صح ذلك منه، فُتِحَ له باب شهود قيومية الله –تعالى- فيرى سائر التقلبات، يرى كل التصاريف والمقدورات، يرى كل الموجودات بيده سبحانه يقلبها كيف يشاء، يشهده وحده مالك الضر والنفع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة، فيتخذه وحده وكيلاً، ويرضى به رباً ومدبراً وكافياً وعند ذلك إذا وقع نظره على شئٍ من المخلوقات دلَّه على خالقه وسالكه، وصفات كماله ونعوت جلاله، ما حصل من سراء دله على رب السماء، وما حصل من ضراء دله على الله -عز وجل-فكل أمر يحصل وكل تقدير وتصريف فإنما يشاهد بقلبه يد الله، يقلب ذلك كيف يشاء، يتصرف في ملكه كيف يشاء، الناس في واد وهو في واد، الناس يقيسون بمقاييس، وهو بعيد عنهم، يشاهد الله –تعالى- يُصَرِّفُ ملكه كيف يشاء، ليشهد قيومية الله -تعالى-،يناديه كل من في السماوات والأرض، يناديه كل الخلق بلسان حاله: أنا صنع الله الذي أتقن كل شئ، إذا جرت مقادير مكروهة، نادته: أيها العبد أنا تقدير الله، مقدورةٌ مثلك،أنا صنع الله الذي أتقن كل شئ.

فهل مثل ذلك القلب ينشغل بغير الله؟ يركن إلى عرض؟ يتعلق من الدنيا بغرض؟

فإذا استمر ذلك له وصحَّ منه، واستمر على حاله واقفاً بباب مولاه، لا يلتفت عنه يميناً ولا شمالاً، ولا يجيب غير من يدعوه إليه، ويعلم أن الأمر وراء ذلك، وأنه لم يصل بعد، ومتى توهم أنه قد وصل وعرف، انقطع عنه المزيد، بل رُدَّ إلى مقام سابق، وحُجِبَ عما كان يجد قبل ذلك، فإن استمر على حاله مستغرقاً قلبه في مشاهدة مشاهد أسماء الله وصفاته، لافي مشاهدة قيومية الله -عز وجل-، مازال ذلك القلب مُثَبَّتَاً من الله –تعالى-، ليتولد في ذلك القلب من المحبة لله-عز وجل- نار، محبةٌ تولد ناراً؟!! فما أعجب ذلك !!

وما أشد تلك النار التي أُضرمت في قلوب العارفين بالله العالمين بالله، العاملين لله !!!...

و يزداد خوف القلب أن يفقد الله –تعالى- حينما يتوفاه الله -عز وجل- و يُتوفى ذلك العبد أجله، أن يفقد الله – تعالى – يوم القيامة، قَلَقٌ وشَوقٌ، يحرق القلب ذلك الشوق، تَضَّرِمُ في أحشاء ذلك العبد هذه النار، نار المحبة، يعز معها الاصطبار، فتراه مستوفزاً قلِقاً، مستيقظاً لا يهدأ له جفن، قلقٌ على تلك العلاقة التي سارت بينه وبين الله -وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء-، فيا له من قلب مُمْتَحن مستغرق بما ظهر له من أنوار الجمال والكمال والجلال للهِ المتعال، والناس مفتونون ممتحنون بما يفنى من الصور والأغراض والأعراض، معذبون بذلك قبل حصوله وحال حصوله وبعد حصوله، فهذا العبد لايزال الله يُرَقيه، طَبَقاً بعد طبق، ومنزلاً بعد منزل، إلى أن يوصله إليه، بأن يُمَكِّنَ له بين يديه، أو يموت في الطريق فيقع أجره على الله.

فالسعيد كل السعيد، والموفَق كل الموفَق، الذي لا يلتفت عن ربه تبارك وتعالى يميناً ولا شمالاً، ولا اتخذَ سواه رباً ولا وكيلاً ولا حبيباً ولا مدبراً، ولا حكماً، ولا ناصراً، ولا رازقاً .

فهذه مشاهد القيومية التي إذا قامت في القلب، عوضته عما فقد، وتحول الفقد إلى وجد، والمنع إلى منح، والتقهقر والتأخر إلى تقدم وقربى.

إذا صح ذلك، إذا صح في قلبي وقلبك، إذا صحَّ الأسى والتحسر والتأسف على فوت، وعلى حَجْبٍ، وعلى تأخر وردةٍ ورجوع، على فوت محبوب كان يدله على الله -تعالى- ....، على فوت مقام من مقامات الدين والإيمان كان يُرجى من ورائه مزيد معرفة بالله -تعالى-، على فقد الله لحظة، على ركون إلى النفس، إلى القلب، إلى العلم، إلى الحال، إلى الصدق، إلى الإخلاص، إلى النية، إلى الهمة، إلى القوة، إلى أعراض النفس، إلى كسب السعي،... كل ذلك حرمان وعجز وخيبة، فإن صح مشهد القيومية ركن إلى الله -تعالى-، ورَدَّهُ الله –تعالى- إليه، ووكله إليه، فعاد له ما فات.

فمن وجد ذلك، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وليعتب فإنه لم يزل مستعتباً وليرجع فإنه يُرجى له من الله -عز وجل- الإقاله، أن يُقيله من العثرة.

طوبى لقلب فَقَدَ فأَسِفَ، فلما أَسِفَ تحسَّر، فلما تحسر خاف وقلِق، رجع على نفسه، والتجأ إلى ربه، وشاهد نعمه وكرمه، وتدبيره وتقديره، وعزه وحكمته، وشهد نفسه وشرها ومكرها، وظلمها وجهلها، وألََّو كان الله وَكِلَهُ إلى نفسه ما كان يصير إليه منها من ذلة وخزي وضياع وفوات، فيرجع إلى الله رب الأرض والسماوات، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك، فهذا كله هو عين وُجْدِ الله تعالى .

فاللهم احفظنا بالإسلام قائمين واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين، واحفظنا بالدين والإيمان أحياءً وميتين، وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.

الصفحة السابقة