شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تنبيه قلوب المتدينين عند فَقْدِ مطالب الدين

محمد رجب • التزكية

كذلك ليعرفه الله فقره وحاجته وضرورته إليه، وأنه غير مستغنٍ عن فضله وبره طرفة عين، وأنه إن انقطع عنه إمداده فسد بالكلية، فإنه إن فقد فسد، فيعرف العبد بذلك أن هذا الفضل والعطاء ليس بسبب منه (من العبد)، وأن ذلك العبد عاجز عن تحصيلها بكسب واختيار،بل هي موهبة، وصدقة، تصدق الله بها عليه لا يبلغها عمله، ولا ينالها سعيه.

وليشهد العبد كذلك عز الله تعالى في منعه، وبره في عطائه فهو العزيز ومن عزه منع، وهو البر الرحيم ومن بره أعطى، فيشهد العبد كرمه وجوده في عوده عليه بما حجبه عنه، فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصفات ما يشهده القيام بحقها،فمن فتح عليه بما زاده معرفة بالله تعالى ثم حُجِبَ عنه وفقده، فوجد الأسى والتأسف والحزن والقلق والخوف من الإبعاد والطرد، ومن فقد بعد الفقد، فيعود على نفسه، ويظهر لله -عز وجل- تحسره على ما فاته، فيرجع ذلك عليه بأن تتفتح عليه أنوار الأسماء والصفات، يشاهد أشياء لم يكن يشاهدها، يتعقل عن الله -عز وجل- ويفهم مراده بما لم يكن يفهم، يرى عزه وتدبيره وملكه في منعه، ويرى بره ورحمته وكرمه وجوده في عطائه.

ومن ذلك المشهد أن يعلم أن طبيعة نفسه لم تَمُتْ، فما جُبِلت عليه من الظلم والجهل لم يُعْدم، بل هو موجود فيها، ولولا ذلك ما كان هناك امتحان وتكليف في تلك الحياة الدنيا، ولكن قهر الله -عز وجل- ظلم نفسه بسلطان الإيمان والمحبة، وقهر الله تعالى جهل نفسه بسلطان العلم والمعرفة، فالله -عز وجل- فعل ذلك لما اصطفاه في طريق دينه، لكن لابد للمغلوب أحياناً أن يتحرك ولو قليلا، وقد كانت حركته قبل الاصطفاء والهداية بالدين حركة سلطان غاشم متجبر، فمن تمام إحسان الرب إلى عبده، وكمال تعريفه قدر نعمته أن أراه في الأعيان ما كان حاكماً عليه قاهراً له، أن يريه في الواقع والفعل ما لو لم يستدركه لَوُكِّلَ إليه، ليشهده بالتجربة ما كان قاهراً له من ظلم وجور وجهل فيجد منه ما كان يتقاضى منه أولاً، فحين إذن يستغيث العبد بربه، يستغيث بوَليِّه ومالك أمره كله: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك.

وا حسرة العبد لو وُكِلَ إلى ما كان قاهراً له قبل سلطان العلم والمعرفة والدين والإيمان، فبفقد محبوبك من الله –تعالى- قد ذقت ذلك، عرفت ما كنت تُوكَل إليه، عرفت نفسك، عرفت قدرها، عرفت الخسارة التي كنت ستؤول إليها، فإذا شهد هذا، زال من قلبه آفة عظمى، آفة الركون إلى تلك النفس, بل آفة الركون إلى عمله، إلى علمه، إلى حاله، كما قيل: إن رَكَنْتَ إلى العلم أنسيناكه، وإن رَكَنْتَ إلى الحال سلبناك إياه، وإن رَكَنْتَ إلى المعرفة حجبناها عنك، وإن رَكَنْتَ إلى قلبك أفسدناه عليك، هل هذا القلب الذي كان بين يدي الله قائماً قانتاً، ما باله تغير؟!، ما باله تغير حاله، ما عاد ذلك العزم فيه، ما عادت تلك الهمة فيه، ما باله فقد بعدما وَجَدَ ؟!. فإن رَكَنْتَ إلى قلبك،إلى نيتك،إلى حالك،إلى عزيمتك،إلى إخلاصك،إلى كسبك،أفسد عليك،فلا يركن العبد إلى شئ سوى الله البتة، ومتى وجد من قلبه ركوناً إلى غيره فليعلم أنه قد أُحِيلَ على مُفْلِس.

والمقصود أن هذه بعض مشاهد الفقد بعد الوِجد،بعد وِجد العبد لمحبوب يطلب من ورائه معرفة الله والدين والإيمان،فإن فقده وجد الأسى والتأسف والحسرة،فإن صح مقام الحزن والقلق والأسى فيه رجع ذلك عليه بمزيد من المعرفة، وقف مشاهد الأسماء والصفات، وقف مشهد القيومية،مشهد قيومية الله -تعالى -.

وسر ذلك، سر صحة تلك المقامات في القلب، سر ذلك: أن يفرغ القلب من الاهتمام بالدنيا وما يتعلق بها، وما يجري فيها من صور، وأعراض وأغراض، بل يتعلق بالآخرة.

فإذا وجد اعتناء قلبه وشغله بذلك،فقد سطع فجر تأهبه للقدوم على الله تعالى، فذلك أول تباشير قلبه، عند ذلك يتحرك القلب لمعرفة ما عند الله، لمعرفة ما يرضي به ربه، فيفعله ويتقرب به إليه، وما يسخط ربه فيجتنبه ويبتعد عنه، وهذا عنوان صدق إرادته، فإن كل من أيقن بلقاء الله واستعد وتأهب للمثول بين يدي مولاه لابد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده والطرق المُوَصلة إليه، فإذا تمكَّن منه ذلك، فُتِحَ له باب الأُنس بالخلوة والوحدة، يخلو بالله، يطلب الأماكن التي تهدأ فيها الأصوات والحركات التي تلفته عن ربه، فلا شئ أشوق إليه من ذلك، فإنه يجد تلك الخلوة، يجد ذلك الأنس بالله وحده، بغير صوت، بغير حركة، بغير صورة، بغير غرض أو عرض، يجد ذلك يجمع عليه قوى قلبه وإرادته، ويسد عليه الأبواب التي تفرق همه، وتشتت قلبه، فيأنس بخلوته ويستوحش من الخلق، فإن تمكن له ذلك فتح له باب آخر، فُتِحَ له باب حلاوة العبادة ، بحيث لا يكاد يشبع منها ويجد فيها من اللذة والراحة، أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو واللعب ونيل الشهوات وإتيان الحظوظ، بحيث أنه إذا دخل في الصلاة مثلاً، ودّ ألا يخرج منها، ثم يفتح له باب آخر، يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله ، فلا يشبع منه وإذا سمعه هدأ قلبه، فيفتح له باب آخر، يفتح له باب شهود عظمة المتكلم بذلك الكلام، يفتح له شهود عظمة الله وجلاله وكمال نعوته وصفاته وجماله، ومعاني خطابه في كلامه، فيستغرق ذلك قلبه، ويستغرق قلبه في ذلك، حتى يغيب القلب فيه، يُحِسُّ بقلبه وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية