تربية القادة لا تربية العبيد
الشيخ سعيد عبدالعظيم • التربية والسلوك
تربية القادة
لا تربية العبيد
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فالقيادة شأنها عظيم وخطير، حتى عدَّ البعض ضعف القيادة من أعظم مشاكل المسلمين المعاصرة، وقال: المسلمون إلى خير، ولكن الضعف في القيادة، وقال الآخر: القيادة شطر القضية، وشطرها الآخر الأمة بمجموع أفرادها.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وحين أنكر الخوارج ضرورة الخلافة، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لابد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرة قد عرفناها (وهي ما كانت على منهاج النبوة) فما بال الفاجرة؟، فقال: تُقام بها الحدود، وتأمن السبل، ويخشاها العدو، ويُقسم بها الفيء.
وقد سمعنا عن مدارس تخريج القادة، وتكلم آخرون عن صفات القائد الذي لا يقر ولا يستقر، ولا يعرف كللاً ولا مللاً، ولا يطلب راحة ولا هدوءً دون تحقيق الهدف الذي يصبو إليه، وأن هؤلاء قلَّة في العالم، ولو كانوا كثيرين لأحدثوا في كل يوم انقلاباً، ويذكرون لنا الأمثلة على هؤلاء القادة كنابليون بونابرت، وهتلر، وجيفارا، وماوتس تونج، وكاسترو....
ولا تكاد تسمع إلا أسماءً ليس لله فيها نصيب، وكثرة ممن كتبوا عن القيادة، إذا ذكروا اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وأدخلوه في مصاف القادة العظام، فلابد عندهم من تعريته من صفة الوحي والنبوة، ولذلك كان لابد من مراجعة وتدقيق وتمحيص، فما هو مفهوم القيادة، ومن الذي رباهم، وما هي مناهج تربيتهم، فقد لا يصلح ذلك كله لتربية الجنود فضلاً عن القادة.
والميزان في هذا وغيره هو هذا المنهج الكامل الشامل لكل ناحية من نواحى الحياة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، فموازين القيادة الحقَّة محفوظة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تتعداها لغيرها، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون.
وما ترك الصادق المصدوق-صلوات الله وسلامه عليه-خيراً يُقرب الأمة من ربها إلا ودلَّها عليه، ولم يترك شراً يُباعد الأمة عن الله-عز وجل- إلا حذرها منه، ونهاها عنه وأمرها باجتنابه، وإذا ورد شرع الله بطل نهر معقلٍ، فهل من يعقل.
وما علينا إلا أن نقول: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) ، نريد قيادة ترضى ربها، وتضع الإسلام نُصب عينها، تأتلف حولها القلوب، وتتحقق على يديها للبلاد والعباد خيرات الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا لا يتحقق إلا بمتابعة منهج الأنبياء والمرسلين (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) .
أما أن يلعن القادة الأتباع، والأتباع القادة، ويسفك بعضهم دماء بعض، فلا خير فيهم، وباطن الأرض خير لهم من ظاهرها.
بعث ربنا -جل وعلا- للبشر رسلاً، كانوا هم القدوة والقادة:
انظر في قصة نبي الله نوح عليه السلام واجه أمة كافرة، ظلَّ يدعوها ألف سنة إلا خمسين عاماً، قال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وفى هذا خيرهم وسعادتهم في العاجل والآجل، فكانوا يؤذونه حتى يُغمى عليه، فإذا أفاق دعاهم إلى الله وحده، لم تضعف عزيمته، بل واصل الليل بالنهار، ودعاهم سراً وعلانية، وفى النهاية ما آمن معه إلا قليل، والقادة الحقيقيون لا يُعرفون بكثرة الأتباع ولا بقلتهم، ولكن بمقدار قربهم للحق، وانشغالهم بمعالي الأمور وأشرافها، وهكذا كان نبي الله نوح، فمهمته هي أعظم مهمة، وعزيمته تضعف أمامها الجبال.
وقد كان نبي الله إبراهيم عليه السلام أمة وحده (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) ، تعرف ذلك من دعوته لأبيه ومواجهته لقومه، ومناظرته للنمروذ، وتسلميه لأمر الله، وإقامته لدين الله.
وانظر إلى دعوة نبي الله موسى عليه السلام، لقد واجه فرعون والملأ، وصبر على دعوة بني إسرائيل وتعبيدهم لله -جل وعلا-، ارتحل إلى مدين، وقد تجمَّعت فيه معاني القيادة: القوة والأمانة، ولذلك قالت ابنة شعيب لأبيها: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ) ، وكان لسان حالها ينطق قبل مقاله: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) .
ونبينا هو سيد القادات، وقائد السادات، دعوته وسيرته وأخلاقه... هي الأسوة والقدوة لتربية القادة، وقيادة الدنيا (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم علماءً ورجالاً وقادةً لا كالقادة، لهم أوفر الحظ والنصيب، مِن واقعه الذي نطق: (والله لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه)، استعلوا على الدنيا وحطامها الفاني، فكانوا سادة وقادة.
يقول أبو بكر الصديق: أينقص الإسلام وأنا حيّ، قاتل المرتدين وقال: والله لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين ما حللت لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما صحب الأنبياء مثله رضي الله عنه، يقول عنه عمر: "رحم الله أبا بكر، كان أعرف منى بالرجال".
وتولى عمر الفاروق الخلافة من بعده، وهو القوي في دين الله، سار بالعدل في الرعية، وكان محدثاً، وافق الوحي في أكثر من موضع، وكان يتخوف أن تتعثر شاة بوادي الفرات فيُسأل عنها يوم القيامة لماذا لم يمهد لها الطريق، قال يوماً: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل, أقضيتُ ما عليَّ؟ قالوا: نعم،قال: لا، حتى أنظر في عمله، أقام بما أمرته أم لا.
