شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تربية القادة لا تربية العبيد

الشيخ سعيد عبدالعظيم • التربية والسلوك

وسيرة خالد بن الوليد في قيادة الجيوش وفتوحاته معلومة لدى العدو قبل الصديق، تولَّى يوم مؤتة بعد موت القادة الثلاثة من غير إمرة ففتح الله عليه، وعزله عمر رضي الله عنه عن القيادة فقاتل جندياً، وفتح قنسرين هو وثلة من أصحابه، وكان قادة الروم يسمعون بمجيء خالد فيفرون من المعركة.

ومن تتبع سيجد الكثير من صور القيادة الفذة، يحكون عن هارون الرشيد أنه بعث إلى نقفور ملك الروم يقول له: "أما بعد، فمن هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، فإن الأمر ما ترى لا ما تسمع"، وكان هارون الرشيد يحج عاماً، ويغزو عاماً، ويخاطب السحاب، ويقول: "سيرى أينما شئت أن تسيري فسيأتيني خراجك".

وكان صلاح الدين الأيوبي كالوالهة الثكلى، فقدت وحيدها، يتململ في فراشه ويتقلب فيه، ولا يجد النوم سبيلاً إلى جفنيه، يقول لوزيره ابن شداد:"أما أسر لك حديثاً، إني أتمنى إن فتح الله عليَّ بيت المقدس أن أركب البحر أقاتل في سبيل الله كل من كفر بالله حتى يظهرني الله أو أموت".

نحن بحاجة لإعادة صياغة، وأن نتربى تربية إيمانية تصل الدنيا بالآخرة، والأرض بالسماء، تربية القادة لا تربية العبيد، تربية يُشارك فيها الرجال والنساء، والكبار والصغار، وما فاتنا وضعف فينا، نحاول تداركه في أبنائنا، فنحن لا ندري من الذي سيفتح على يديه بيت المقدس، ومن الذي سيقود الدنيا بدين ربها.

دخل رجل على هند بنت عتبة، وهي تحمل معاوية، فقال لها: "إن عاش معاوية ساد قومه"، قالت: "ثكلته إن لم يَسُد قومه"، وكان معاوية رضي الله عنه إذا نوزع الفخر يقول: "أنا ابن هند".

وكان علي رضي الله عنه يقول: "أنا الذي سمتني أمي حيدرة" (والحيدرة من أسماء الأسد).

ويقولون: وراء كل رجل عظيم امرأة، والمرأة لها دور كبير في تخريج القادة إذا تأسَّت بالصحابيات الفضليات، أما إذا أصبحت همتها في الرقص والغناء، ومتابعة الموضات، وارتياد شواطئ البحر، ودور السينما والمسرح أضاعت نفسها وأضاعت الأمة من حولها، وخلفت أشباه الرجال ولا رجال، شباب قنع، لا خير فيهم، وبورك في الشباب الطامحين.

والفارق كبير بين تربية السادة وتربية العبيد، لقد وُجدت أجيال تربَّت على سموم الفرعونية والبابلية والوطنية والقومية والاشتراكية والديمقراطية، ولم تعرف شيئاً عن دينها، فهل يُقال عن هؤلاء قادة المستقبل وجنود معركة المصير؟!.

إن الواحد من هؤلاء قد لا يصلح لأن يقود نفسه أو بيته فكيف يُطلق عليه وصف القائد والزعيم، وفاقد الشيء لا يعطيه، فالقيادة ليست تسلطاً ولا قهراً ولا جبروتاً، ولكنها أمانة وكفاءة بصيرة بالأمور وعلو همة، صبر وثبات وثقة بنصر الله، وطمأنينة إلى تأييده، نحرص على توافر الشروط الشرعية فيمن يقود، فالخليفة والحاكم ينبغي أن يكون ذكراً حراً عاقلاً عدلاً مجتهداً في دين الله، على معرفة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمي،ن لا تأخذه رقة في إقامة الحدود الشرعية...

فالخلافة موضوعة لإقامة الدين وسياسة الدنيا به، والولاية والإمارة تكون للأمثل فالأمثل، ولابد فيها من القوة والأمانة، ولا يجوز الترأس بالجهالة، ولذلك قالوا: تفقهوا قبل أن ترأسوا، وقالوا: تفقهوا قبل أن تسودوا، أي قبل أن تصبحوا سادة وقادة، أما الاكتفاء بمعرفة البروتوكول في تناول الطعام والشراب والمشي، وقراءة كتاب الأمير لميكافيللي، فهذه الأمور لا تصلح لتربية الجنود فضلاً عن تخريج القادة.

ومع حرصنا على الأخذ بالأسباب الشرعية لابد وأن تعلم أنَّ القيادة من قبل ومن بعد فضل من الله يؤتيه من يشاء، فالمؤهلات والقدرة وتذليل الصعاب ومحبة الرعية لقائدها وانقيادها له، كل ذلك محض فضل وتوفيق من الله، وهذه الأمة قد أنيط بها إقامة الحق وقيادة البشرية بأسرها (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) .

فإذا كنا قد أصبحنا غثاءً كغثاء السيل، فهذا لا يمنعنا من النهوض والأخذ بالأسباب لوراثة الأرض بالحق والعد، وإقامة خلافة على منهاج النبوة، وهذا يتطلب منَّا إيجاد المسلم بمفهومه الحقيقي، بحيث تتوافر فيه الصبغة الإلهية والثبات على الحق، ومعاني العزة والمجاهدة والبصيرة والأوبة إلى الله وإدراك الغاية من الحياة، وغير ذلك من المعاني التي تؤهل المسلم لأن يناطح السحاب، تهتز الجبال ولا تهتز معاني اليقين في نفسه، يصنع كما صنع ربعي بن عامر عندما دخل على رستم قائد الفرس فسأله: من بعثكم؟، فأجابه ربعي: "ابتعثنا الله لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

ولو استقامت الموازين لعلمنا أن القيادة بحق كانت لربعي المغمور لا لرستم المشهور، فالقائد يجب أن يُخلص عمله لله ويتواضع لجنابه سبحانه.

والتنازع على القيادة يُفسد النوايا، وتضيع به البلاد والعباد، فالمركب تستقر في قعر المحيط إذا بويع لخليفتين، وحسبك أن تطيع قائدك في غير معصية الله، حتى وإن كنت أهلاً للقيادة والإمارة، فمن الجائز إمامة المفضول للفاضل، والخلاف شر كله، ولا تُبالي إذا وضعوك في المؤخرة، أو خفي حالك على الخلق، فأنت ممن يتعامل مع الله.

قيل عن عمر بن عبد العزيز-رحمه الله-: إنما أدخله في العبادة ما رأى من ابنه عبد الملك، وكان من الصلاة والقوة في دين الله بمكان.

الصفحة السابقة الصفحة التالية