شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

وعلى هذا فإذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوها جميعًا أو يتركوهما جميعًا ولم يجز أن يأمروا بمعروف ولا ينهوا عن منكر بل ينظر فإذا كان المعروف أكثر أمروا به وإن استلزم ما دون من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذٍ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله -صلىّ الله عليه وسلم- وزوال فعل الحسنات وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ما دونه من المعروف وبكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرًا بمنكر وسعيًا في معصية الله ورسوله، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما فتارة يصلح الأمر وتارة يصلح النهي وتارة لا يصلح أمر ولا نهي حيث كان ا لمعروف والمنكر متلازمين وذلك في الأمور المعينة الواقعة.

وعلى هذا فالضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه وإذا كان لابد من ارتكاب أحد الضررين فيرتكب أخف الضررين وأهون الشرين ويحتمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأكبر ويحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

وكذلك تقدم المصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة، وتقدم مصلحة الأمة على مصلحة الفرد، وتقدم المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة أو المتوهمة، وتقدم المصلحة الدائمة على المصلحة العارضة أو المنقطعة، وكذلك فإن المفسدة الصغيرة تغتفر من أجل المصلحة الكبيرة ولا تترك مصلحة متحققة من أجل مفسدة متوهمة.

قال العز بن عبد السلام -رَحمه الله-: (إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالاً لأمر الله -تعالى- فيها لقوله -سبحَانه وتعالى-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن:16)،

وإن تعذر الدرء والتحصيل؛ فإن كانت المفسدة أعظم من مصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة.

قال الله -تعالى-: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة: من الآية219)، حرمها لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما.

إذًاً فدعوة الإسلام تقوم على تحقيق المصلحة، قال ابن القيم: (إن الشريعة مبناها وأساسها العدل وتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن ا لمصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل).

الأمر الرابع

أهداف الدعوة إلى الله -عزّ وجل-

الهدف الأول: تعبيد الناس لله -عزّ وجل-:

ينبغي أن يكون هدف الداعية أن يعبد الناس لله سبحَانه وتعالى لأن الله عزَّ وجل لذلك خلقهم وبذلك أمرهم فقال -سبحَانه وتعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات:56-58)، وقال -تعالى-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) (يوسف/40)، وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ) (الرعد/36)، وقال -تعالى-: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) (النمل/91)، وقال -تعالى-: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) (الزمر/14).

كما نهاهم الله سبحَانه وتعالى عن عبادة غيره فقال -تعالى-: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الزمر:66)، وقال -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (الكافرون:1-2)، وقال -تعالى-: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) (الزمر:64)، وقال -تعالى-: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:104)

وأنكر الله -سبحَانه وتعالى- على الذين يعبدون من دونه آلهة أخرى، فقال -تعالى-: (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء:67)

وتوعدهم الله -سبحَانه وتعالى- هم وآلهتهم الباطلة فقال -سبحَانه وتعالى-: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ) (الأنبياء:99)

وقد أرسل الله -سبحَانه وتعالى- الرسل لأجل هذه القضية، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، قال -سبحَانه وتعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (النحل:36)

وقال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25)

وقال نوح -عليهِ السلام-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (هود25-26).

وقال هود -عليهِ السلام-: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ) (هود:50)

الصفحة السابقة الصفحة التالية