شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (إن الدين يسر ولا يشادُّ الدين أحدٌ إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) .

ولقد كان رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- حريصًا على مراعاة هذا المعنى وهو عدم جلب المشقة غير المحتملة على هذه الأمة، فقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل) .

وقال -صلىّ الله عليه وسلم-: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا) .

فعلى ذلك فإذا علم المكلف أنه يدخل عليه في جسمه أو نفسه أو عقله أو عادته فساد يتحرج به ويعنته ويكره بسببه العمل فهذا أمر ليس له، ويقال مثل هذا إذا كان الخلل لاحقًا بالمال فهو قرين النفس في الحفظ والصيانة.

فحاصل ذلك أن المكلف إذا كان يحصل له بسبب إدخال نفسه في العمل هذه المشقة الزائدة على المعتادة فتؤثر فيه أو في غيره فسادًا أو تحدث له ضجرًا أو مللاً وقعودًا عن النشاط إلى ذلك العمل فينقطع في الطريق ويبغض إلى نفسه العمل فمثل هذا لا ينبغي أن يرتكب من الأعمال ما فيه ذلك بل يترخص فيه بحب ما شرع له.

قال -تعالى-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة:286)، وقال -تعالى-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا) (الطلاق: من الآية7)

وقال أهل العلم: (لا تكليف إلا بمقدور)، وقالوا: (من فعل ما يقدر عليه فقد فعل ما أمره الله به).

وقال -تعالى-: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: من الآية78)، وقال -تعالى-: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: من الآية185)، وما خُير رسول الله -صلىّ الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.

مراعاة المصالح والمفاسد:

فالمصلحة مطلب شرعي لن شرع الله مصلحة وهي هدف أسمى في المنهج السلفي إلا أن المصلحة مسألة نسبية وليست مطلقة وأنها تختلف من حالة إلى حالة ومن شيء إلى شيء، ومن زمان إلى زمان وما من شيء فيه مصلحة إلا فيه في الغالب مضرة إلى جانب تلك المصلحة.

قال -تعالى-: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة: من الآية219).

فلابد لمعرفة المصلحة والمفسدة من الرجوع إلى الشرع الحنيف حتى نعمل بما فيه مصلحة غالبة، ونبتعد عما فيه مضرة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالاتها على الأحكام)، ولذلك ينبغي العناية بالتفقه في قضية المصالح والمفاسد.

والأمر في الجملة كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحمه الله- قال: (وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمتا فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته). (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية ص19:11).

فاعلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، قال -صلىّ الله عليه وسلم-: (يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب منه يخرجون) ففعله ابن الزبير.

قال الحافظ ابن حجر: (ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه صلاحهم ولو كان مفضولاً ما لم يكن محرمًا.

وقال النووي في شرح الحديث: (وفي الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة تعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدأ بالأهم، لأن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عَليه السلام مصلحة ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا.

وذلك لما كانوا يعتقدون من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيمًا فتركها -صلىّ الله عليه وسلم-.

واعلم أن النهي عن المنكر وسيلة على دفع مفسدة ذلك المنكر المنهي عنه، ورتبته في الثواب والفضل مبنية على رتبة درء مفسدة الفعل المنهي عنه في باب المفاسد إلى أن تنهي إلى أصغر الصغائر فالنهي عن الكفر بالله أفضل من كل نهي في باب النهي عن المنكر، ومن استطاع الجمع بين درء أعظم المفسدتين ودرء أدناهما جمع بينهما لأنه متى كان قادرًا على دفع المنكر دفعة واحدة لزمه ذلك وإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد.

وإن علم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن أمره ونهيه لا يفيدان شيئًا أو غلب على ظنه سقط ا لواجب ويبقى الاستحباب لأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد وقد كان -صلىّ الله عليه وسلم- يدخل في المسجد الحرام وفيه الأنصاب والأوثان ولم يكن ينكر ذلك كلما رآه، وكذلك لم يكن كلما رأى المشركين أنكر عليهم، وكذلك كان السلف لا ينكرون على الظلمة والفسقة كلما رأوهم لعلمهم أنه لا يجدي إنكارهم وقد يكون من الفسقة من إذا قلت له (اتق الله أخذته العزة بالإثم)، فيزداد في فسوقه وفجوره.

الصفحة السابقة الصفحة التالية