الدعوة السلفية
محمود عبد الحميد • قضايا دعوية
أي أن الله يعلم ما دق وما خفي وأنه مطلع رقيب قد أحاط بكل شيء علماً, فلو كانت حبة الخردل التي مثل حبة الكمون تسبح في السموات أو تغوص في الأرض فإن الله يعلم مكانها وهو قادر على الإتيان بها فاحذر أن أعمالك كلها ما أخفيت وما أعلنت يعلمها الله ويراها.
الأمر الرابع - التربية العبادية بأداء الفرائض وإتباعها بالنوافل: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ) (لقمان:17).
الأمر الخامس - التربية على الدعوة إلى الله -تعالى-: ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17) (لقمان:17).
الأمر السادس - التربية على حسن الخلق: ( ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19 ) (لقمان:17-19).
الأمر الأول - توحيد الله -تعالى-:
قال الإمام ابن القيم -رحمة الله عليه- في أحكام المولود، فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله -سبحانه وتعالى- وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا ولهذا كان أحب الأسماء إلى الله:عبد الله وعبد الرحمن بحيث إذا وعى الطفل وعقل على أنه:عبد الله وأن الله سيده ومولاه.
وقد ربى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على ذلك منذ الصغر فقد أخرج الترمذي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:كنت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- يوماً فقال: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) .
وفي رواية غير الترمذي: (احفظ الله تجده أمامك, تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة, واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك, وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك, واعلم أن النصر مع الصبر, وأن الفرج مع الكرب, وأن مع العسر يسرا ) .
وعلى هذا ربى الصحابة -رضي الله عنهم- أبناءهم فقد روى الإمام أحمد عن الوليد بن عبادة قال:دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال: أجلسوني فلما أجلسوه قال: يا بني أنك لن تطعم الإيمان ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وما شره؟ قال:تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك, يا بني إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب, فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة) يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار .
وهذا يدل على أن أول ما يتربى عليه الشاب المسلم العقيدة الصحيحة وهي العقيدة التي مضى عليها سلف الأمة فقد جعل الله -عز وجل- عقيدة الصحابة هي المقياس للعقيدة الصحيحة, فقال -تعالى-: ( فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) (البقرة:137).
وما أتى الأمر بالتوحيد في كتاب الله -عز وجل- أو في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- مع مجموعة من الأوامر إلا كان الأمر بالتوحيد أول الأوامر. وما أتى النهي عن الشرك مع مجموعة من النواهي في كتاب الله -عز وجل- أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا كان النهي عن الشرك هو أول النواهي, فما أمرت الرسل بشيء قبل التوحيد وما نهت عن شيء قبل الشرك، ولذلك كانت كل دعوة لا تهتم بأمر التوحيد ولا تربي أبناءها عليه فهي دعوة على غير هدي المرسلين, وعلم التوحيد هو علم العقيدة وهو الإيمان الذي ينتظم الأصول الستة التي أرسل الله بها نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
ولذلك كان الموضوع الأساسي في القرآن الكريم هو التوحيد وكانت آيات القرآن تنزل في مكة المكرمة سنوات طويلة لتثبيت هذه العقيدة في القلوب والرد على المعاندين الذين انحرفوا عنها.
فمسؤولية التربية الإيمانية لدى المربين والآباء والأمهات مسئولية هامة وخطيرة لكونها منبع الفضائل ومبعث الكمالات, بل هي الركيزة الأساسية لدخول الإنسان في حظيرة الإيمان وقنطرة الإسلام, وبدون هذه التربية لا ينهض الولد بمسئولية ولا يتصف بأمانة, ولا يعرف غاية ولا يتحقق بمعنى الإنسانية الفاضلة ولا يعمل لمثل أعلى وهدف نبيل بل يعيش عيشة البهائم ليس له هم إلا أن يسد جوعته ويشبع غريزته وينطلق وراء الشهوات والملذات ويصاحب الأشقياء والمجرمين, عندئذ يوشك أن يكون من الزمرة الكافرة والفئة الإباحية الضالة الذين قال الله -سبحانه وتعالى- فيهم: ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12 ) (محمد:12).
فعلى المربي أن لا يترك فرصة سانحة تمر إلا وزود المربى بالبراهين التي تدل على الله -سبحانه وتعالى- والإرشادات التي تثبت الإيمان وتقويه, وباللفتات التي تقوي منه جانب العقيدة كما كان هدي رسول لله -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه كما مر بنا في توجيه لابن عمه عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- فينبغي على القائمين بالدعوة إلى الله الذين يرجون عز الإسلام والمسلمين الاهتمام بتربية الناس على العقيدة الصحيحة والتنبيه الدائم لهم على ما يقعون فيه من أمور الشرك العلمية والعملية لأن هذا هو هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي ربى عليه الصحابة الكرام.
الأمر الثاني - التربية بالعبادة:
