شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

وقال -تعالى-: ( عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) (الإنسان:6-11).

واعلم عبد الله أن العبادة تعد مكملة لبناء العقيدة إذ العبادة تغذي العقيدة بروحها كما أنها المنعكس الذي يعكس صورة العقيدة ومجسمها ولكي يظل العبد يغرس العقيدة في النفس فلابد وأن يسقيها بماء العبادة بمختلف صورها وأشكالها, فبذلك تنمو العقيدة في الفؤاد وتترعرع وتثبت أمام عواصف الحياة وزعزعها, والعبادة لله تعالى في نفس المرء فعًلا عجيبًا فهي تشعره بالاتصال بالله تعالى وهي تهدئي من ثوراته النفسية وتلجم انفعالاته الغضبية فتجعله سويًا مستقيمًا.

الأمر الثالث – التربية الخلقية:

والمقصود بها تربية العباد على الأخلاق الفاضلة كالصدق والاستقامة والإيثار وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة, وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المربي الأول أكمل الناس خلقًا وكان خلقه القرآن وصدق الله -عز وجل- فقال في حقه: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) (القلم:4).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .

وقد اتصف -صلى الله عليه وسلم- بالأوصاف الخلقية المحمودة كالعلم, فقال -صلى الله عليه وسلم-: (والله إني لأعلمكم بالله) .

والحلم فقد قال الله -عز وجل- في حقه: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159 ) (آل عمران:159).

وقد مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- صاحب هذا الخلق فقال: (يا أشج أن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والتؤدة) .

وكان -صلى الله عليه وسلم- أبغض الخلق إليه الكذب فكان يمزح ولا يقول إلا حقًا ومدح الصدق فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن العبد ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا) .

وكان -صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها.

وكان -صلى الله عليه وسلم- حسن العشرة. قال أنس -رضي الله عنه-: (خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين فما قال لي أف قط ولا قال لي شيء فعلته لم فعلت هذا ولا لشيء لم أفعله ألا فعلته وكان أحسن الناس خلقًا, وما مسست خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا شممت مسكًا ولا عطرًا أطيب من عرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) .

وقالت خديجة -رضي الله عنها- عندما جاءها في أول بدء الوحي خائفًا: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم وتحمل الكل, وتكسب المعدوم, وتقري الضيف, وتعين على النوائب.

وكان -صلى الله عليه وسلم- أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين ينزل عليه جبريل فيدارسه القرآن, فلرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينئذ أجود بالخير من الريح المرسلة.

وكان -صلى الله عليه وسلم- متواضعًا فكان يقم البيت ويخصف نعله ويقضي حاجة أهلة, وكان ربما لقيته الجارية في بعض طرق المدينة فأخذت بيده فسارت به حيث شاءت.

وقد ربى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه على حسن الخلق بما رغبهم فيه من الثواب وحثهم عليه, فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صدق الحديث, وحفظ الأمانة, وحسن الخلق, وعفة مطعم) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة ) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (البر حسن الخلق ) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما تجمل الخلائق بمثلهما) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم خلقًا) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحًا وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) .

وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلم أن يدعو الله أن يحسن خلقه, فقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم كما خلقي فحسن خلقي ) .

وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأخلاق السيئة فقال: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء ) .

ومما لا شك فيه أن الفضائل الخلقية والسلوكية والوجدانية هي ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ والتنشئة الصحيحة فالإنسان حين ينشأ على الإيمان بالله ويتربى على الخشية منه والمراقبة له, والتوكل عليه والاستعانة به, والتسليم لجنابه, تصبح عنده الملكة الفطرية والاستجابة الوجدانية لتقبل كل فضيلة ومكرمة, والاعتياد على كل خلق فاضل كريم, لأن الوازع الديني الذي تأصل في ضميره والمراقبة الإلهية لبتي ترسخت في أعماق وجدانه, والمحاسبة النفسية التي سيطرت على تفكيره وإحساساته, كل ذلك بات حائًلا بينه وبين الصفات القبيحة والعادات الآثمة المرذولة والتقاليد الجاهلية الفاسدة, بل إقباله على الخير يصبح عادة من عاداته وتعشقه المكارم والفضائل يصير خلقًا أصيًلا من أبرز أخلاقه وصفاته, فهناك صلة وثيقة بين الإيمان والأخلاق, ورابطة متينة بين العقيدة والعمل فبغير إيمان بالله لا يتحقق إصلاح ولا يتقوم خلق.

الصفحة السابقة الصفحة التالية