الدعوة السلفية
محمود عبد الحميد • قضايا دعوية
فعلينا أن نتربى على القواعد التربوية والمناهج العملية التي وضعها الإسلام لسلامة الأخلاق وتنمية الشخصية المتميزة, وأن نتعود على الرجولة ومكارم الأخلاق, ونأخذ بتوجيهات الشرع الحنيف وإرشاداته حتى ننشأ على الفضائل الخلقية والمكارم الذاتية والآداب الاجتماعية, ونكون شامة في الناس, وليس هناك مبادىء تربوية مثل هذه المبادىء التي وضعها الإسلام وشرعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال -تعالى-: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (9) (الإسراء:9).
وقال -تعالى-: ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) (طه:123-124).
الأمر الرابع - التربية بالمراقبة:
وذلك أن نتربى على أن الله -سبحانه وتعالى- يرانا ويعلم سرنا ونجوانا, ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور, حتى تخلص النوايا ويستوي سرنا وعلانيتنا, وتتحقق العبودية الخالصة لله -تعالى-, قال -تعالى-: ( وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) (البينة:5).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .
وقال -تعالى-: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14 ) (العلق:14),
وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) (النساء:1).
وسئل بعضهم عن قوله -تعالى-: ( جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8 ( (البينة:8). قال معناه لمن راقب ربه وحاسب نفسه وتزود لمعاده.
وسئل بعض الصالحين: بم ينال العبد الجنة؟ فقال بخمس: استقامة ليس فيها روغان, واجتهاد ليس معه سهو, ومراقبة الله في السر والعلانية, وانتظار الموت بالتأهب له, ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب وقد قيل:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل..... خلوت ولكن قل على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة......... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
ألم تر أن اليوم أسرع ذاهبًا...... وأن غدًا للناظرين قريب
والمراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه ويعني بها حالة القلب يثمرها نوع من المعرفة وتثمر تلك الحالة أعماًلا في الجوارح وفي القلب: أما الحالة: فهي مراعاة القلب للرقيب وملاحظته إياه.
وأما المعرفة: فهو العلم بأن الله مطلع على الضمائر عالم بالسرائر رقيب على أعمال العباد قائم على كل نفس بما كسبت, وأن سر القلب في حقه مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف.
ثم للمراقب في أعماله نظرات: نظر قبل العمل, ونظر في العمل.
أما قبل العمل فلينظر إلى همه وحركته أهي لله خاصة أم لهوى النفس ومتابعة الشيطان فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق, فإن كان لله -تعالى- أمضاه إن كان لغير الله استيحا من الله وكف
عنه ثم لام نفسه على رغبته فيه وهمه به وميله إليه, وعرفها سوء فعلها وأنها عدوة نفسها.
وأما النظر الثاني للمراقبة منذ الشروع في العمل فذلك بتقديم كيفية العمل ليقضي حق الله فيه ويحسن النية في إتمامه ويتعاطاه على أكمل ما يمكن. وهذا ملازم له في جميع أحواله لأنه لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو في معصية أو في مباح, فمراقبته في الطاعات بالإخلاص والإكمال وصراعات الأدب وحراسة النفس عن الآفات.
وإن كان في معصية فمراقبته بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكير.
وإن كان مباح فمراقبته بمراعاة الأدب ثم بشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها, ولا يخلو العبد في جميع أحواله عن بلية لابد له من الصبر عليها, ونعمة لابد من الشكر عليها وكل ذلك من المراقبة.
الأمر الخامس - حسن المعاملة:
أمر الله -تعالى- بالعدل والإحسان جميعًا والعدل سبب النجاة وهو يجرى من التجارة مجرى سلامة رأس المال, والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري من التجارة مجرى الربح, ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة ولا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان, قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) (النحل:90), وقال -تعالى-: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) (الأعراف:56).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس ) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا أشترى وإذا اقتضى ) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من أقرض دينارًا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله, فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك صدقة) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) .
