شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية

محمود عبد الحميد • قضايا دعوية

قال ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين: (في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه وقدره ومعانقة الصبر على ذلك إلى يوم لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه وداوم ذكره وصدق الإخلاص له ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد هذه الفاقة أبدًا) اهـ.

وهذا ليس كلام عالم فحسب، كلام ذائق مجرب يقول ما خبره وأحس به في نفسه وما رآه ولاحظه في الناس من حوله.

إنها الفطرة البشرية الأصيلة التي لا تجد سكينتها إلا في الاهتداء على الله، والإيمان به والالتجاء إليه، وهذه الفطرة تذبل ولكنها لا تموت، وتكمن ولكنها لا تزول، فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لا قبل له به ولا يد له ولا للناس في دفعه أو رفعه، فسرعان ما تزول القشرة السطحية المضللة التي نشأت من تراكم صدأ الشبهات أو غبار الشهوات الذي انحرف ودنس هذه الفطرة فسار بها إلى اتباع الهوى والتقليد الجاهل للآباء والأجداد والطاعة العمياء للسادة والكبراء، والعجب والغرور الذي يظن معه الإنسان أنه يستطيع أن يقوم وحده ويستغني عن الله؛ فعند ذلك تبرز الفطرة العميقة الكامنة وينطلق الصوت المخنوق المحبوس داعيًا ربه منيبًا إليه.

قال -تعالى-: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ) (الإسراء: من الآية67)

وقال -تعالى-: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) (لقمان:32).

وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (يونس:22).

الثمرة الثالثة: الأمن والاهتداء وسلامة النفس من التمزق والصراع:

فمن ثمرات الربانية في القصد حصول الأمن والاهتداء، قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82)

فالمؤمن لا يخاف إلا الله وهو آمن من كل ما سواه، وإذا خاف شيئًا لجأ إلى الله فدافع الله عنه، وهو مهتد في الأقوال والأعمال، ويوم القيامة يؤمنه الله من فزع يوم القيامة ويهديه إلى طريق الجنة ويعرفه منازله فيها، وأما الكفار فلا أمن له في الدنيا ولا في الآخرة قال -تعالى-: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً) (آل عمران:151)، فهم مهما كثرت جنودهم واشتدت حراساتهم في رعب وخوف وإثم، إذ القلب لا يطمئن إلا مع التوحيد فمن لم يوحد الله أخافه الله من كل شيء، ويوم القيامة هم في فزع عظيم، وهم في الدنيا لا يهتدون إلى صدق ولا عدل، وهم في الآخرة أضل الناس عن طريق الجنة، بل لا يهتدون إلا إلى صراط الجحيم نعوذ بالله من ذلك.

وهذه الربانية في القصد تؤمِّن النفس البشرية من التمزق والصراع الداخلي والتوزع والانقسام بين مختلف الغايات وشتى الاتجاهات، لأن الإسلام جعل غاية الإنسان غاية واحدة وهي إرضاء الله -تعالى- وجعل همومه همًا واحدًا وهو العمل على ما يرضيه -سبحانه-.

ولا يريح النفس شيء مثل وحدة الغاية والوجهة في الحياة فتعرف من أين تبدأ وإلى أين تسير ومع من تسير، ولا يشقى الإنسان شيء مثل تناقض غاياته وتباين اتجاهاته وتضارب نزاعاته.

فعقيدة التوحيد قد منحت المسلم يقينًا بأن لا رب إلا الله يخاف ويرجى، ولا إله إلا الله يتقى سخطه، ويلتمس رضاه، وبهذا أخرج المسلم كل الأرباب الزائفة من حياته وحطم كل الأصنام المادية والمعنوية من قلبه ورضي الله وحده ربًا، عليه يتوكل وإليه ينيب، وفي فضله يطمع، ومن قوته يستمد، وله يتودد وإليه يحتكم وبه يعتصم (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (آل عمران: من الآية101)، فأين هذا من المشرك بالله الذي تعددت أربابه، وتضاربت وجهاته، وقد مثله القرآن الكريم بعبد له أكثر من سيد وهم شركاء متشاكسون غير متوافقين كل يأمره بضد ما أمره به الآخر ويريد منه غير ما يريد الآخر، فهمه متفرق وقلبه مشتت.

قال -تعالى-: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) (الزمر: من الآية29).

وقال يوسف -عليه السلام- لرفيقيه في سجن مصر وكانا يعبدان مع الله آلهة أخرى (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ* مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف39‑40)

الأمر الثاني ربانية المنهج والمصدر

ومن آثار الأصل الثاني وهو الإتباع ربانية المنهج وهو أن يكون المنهج من عند الله -تعالى- فهم لا يصدرون عن شيء إلا عما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو المنهج الرباني لقول الله -تعالى-: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم3‑4)

فكل ما جاء به -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بالدين إنما هو بوحي من الله -تعالى- وهذا المنهج يقوم على قواعد أساسية.

أولاً: الاستدلال بالكتاب والسنة:

الصفحة السابقة الصفحة التالية