شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقائد الشيعة

محمود عبد الحميد • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ) قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟" قَالَ: ( الْجَمَاعَةُ ) (رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، وصححه الألباني) .

فهذا إخبار من النبي - صلى الله عليه وسلم- بافتراق هذه الأمة، وإنما افترقت هذه الأمة؛ لما ابتدع الناس في دين الله - تعالى-، ولم يلتزموا منهج النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ لأن التزام ما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يجعل المسلمين على عقيدة واحدة، وعلى شريعة واحدة التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: ( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) (النور:54) ، وقال -تعالى-: ( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (الأعراف:158) .

أما البدعة فإنها تؤدي إلى الفُرقة، كما في حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه- قال: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ فَقَالَ: " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيكون بعده اختلاف منشأه البدعة، والمخرج من هذا هو: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ).

وقد أطلت الفتنة برأسها بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد ارتد من ارتد من العرب، خرج أبو بكر -رضي الله عنه-؛ ليقاتل على دين الله -تعالى-، وليثبت دعائم الإسلام، فقاتل في مدة خلافته اليسيرة التي قضى الله -تعالى- أن تكون، فقاتل مانعي الزكاة وقاتل المرتدين من بني حنيفة وغيرهم حتى مُكِّن لدين الله - تعالى-.

ثم ما لبث أن تُوفِّي أبو بكر -رضي الله عنه-، فأطلت هذه الفتنة بأعناقها، وكانت أول بدعة ظهرت في المسلمين بدعة القدر، وكان أول من قال بها معبد الجهني من البصرة، وكان يقول بالغلو في نفي القدر، وكان يقول: إن الأمر أنف، أي: الأمر مستأنف، والأمر جديد، وأن الله - تعالى- لم يخلق أفعال العباد، ولا يقدر عليها، وأن الله -تعالى- لا يعلم بهذه الأعمال إلا بعد أن تقع ليس له علم سابق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

ثم قابلها بدعة الجبر، وهم يعتقدون أن العبد لا عمل له، وأنه مجبر على فعله، وأنه لا يفعل في الحقيقة، وكيف يؤاخذ على أشياء لا يفعلها فهي ليست من خلقه، وأن العبد ليس له مشيئة، وليس له إرادة، وليس له فعل عندهم، لذلك قالوا: إن العبد مجبر على فعله، ولا يشاء، ولا يريد، ولا يقدر على فعل شيء، وهذا في مقابل القدرية، فالقدرية قالوا: إن هذا العبد هو الذي يعمل، وهو الذي يخلق فعله، وهو الذي يشاؤه بغير مشيئة الله، وهو الذي يريد بغير إرادة الله - تعالى-، فتقابل القدرية والجبرية، تقابلا في النار.

ثم بعد ذلك ما لبث أن قتل عمر - رضي الله عنه-، وكان عمر هو الباب الذي جعله الله -تعالى- حائلاً بين الأمة والفتنة، فلما كسر الباب؛ فتحت الفتنة على المسلمين، وكانت ابتداؤها: مقتل عمر -رضي الله عنه- على يد أبي لؤلؤة المجوسي، ثم بعد ذلك قتل عثمان ذو النورين، وحدث الخلاف بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما-.

وذلك أن عليًّا -رضي الله عنه- كان يريد أن يبايعه معاوية على الخلافة، وكانت من حقه -رضي الله عنه-، فهو الخليفة الراشد الرابع بعد عثمان -رضي الله عنه-، وزوج ابنته فاطمة أحب بناته إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومعاوية لم ينازعه في الملك في هذا الأمر، وإنما كان يريد الانتقام من قتلة عثمان، وإقامة الحد والقصاص عليهم؛ لأنه كان هناك صلة قرابة بين عثمان ومعاوية، ولكن عليًّا -رضي الله عنه- كان يريد أن يبايع أولاً، فنشأت الفتنة وغذيت عن طريق الشيعة الذي تشيعوا لعلي -رضي الله عنه- وغلوا فيه حتى ألهوا عليًّا -رضي الله عنه- أي: جعلوه إلهًا ومن دون الله، وغذوا هذه الفتنة حين خرجت عائشة -رضي الله عنها- يوم "الجمل".

فاقترح عبد الله بن سبأ أن يشنوا غارة بدون علم علي -رضي الله عنه- في جنح الليل على جيش عائشة وهم نائمون، فقام أتباعه بتنفيذ اقتراحه، وكان هذا مقدمة لحرب "الجمل" التي راح ضحيتها اثنان من خيرة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هما: طلحة والزبير -رضي الله عنهما- وكثير من المسلمين، وكانت مقدمة لموقعة "صفين" والتي قتل خلالها الآلاف من المسلمين، ثم كانت وقعة "التحكيم"، والتي ظهر بعدها فرقة الخوارج الذين قتلهم علي -رضي الله عنه-، وكانت نهاية علي -رضي الله عنه- على يد واحد من الخوارج، فاستشهد يوم السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة.

الصفحة التالية