تذكير الناسك بأسرار المناسك
عبد المعطي عبد الغني • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالحج ركن الإسلام الخامس، وفريضة العمر، وأحد الجهادين، وهو مؤتمر سنوي أمر الله خليله إبراهيم -عليه السلام- أن يدعو إليه: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (الحج:27) .
فعلى أطهر البقاع وفي أشرف الأزمنة يجتمع وفد الله آمين البيت الحرام؛ ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ) (الحج:28) .
ولهذه الفريضة أسرار تشرق شموسها على قلوب المؤمنين؛ فتتبدد ظلمات الغفلة، وتنقشع سحب المعصية، وينزل وابل الإيمان على تربة القلوب فيغسل حوبها، وتتخلص من أدرانها؛ فتُحرر من أسر الشهوات، وتكسر قيود الشبهات، وترفع الحناجر بالتلبيات، معلنة صدق التوبة، وتجدد الأوبة، وتبرهن على صدق الإنابة، وسرعة الاستجابة.
وهذه بعض أسرار الرحلة عساها تنفع كاتبها وقارئها:
إذا تزود الحاج لسفره، وهو مأمور بذلك، قال -تعالى-: ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) (البقرة:197) . فسل نفسك: ألست على سفر أطول من سفره؟!
أليس سفرك إلى الآخرة أشق؟!
إن الرحلة إلى الآخرة أطول، وحاجتها إلى الزاد أشد، وعجيب بمن يعد الزاد لرحلة أيام كيف لا يعد الزاد لرحلة السنين والأعوام؟!
عجيب بمن يعد الزاد لرحلة رجاؤه في العود منها مأمول كيف لا يعد الزاد لرحلة ( أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) (يس:31) ؟!
تـزود مـن حـيـاتـك لـلمعـاد وقم لله واعمل خير زاد
أترضى أن تكون رفيق قـوم لهم زاد وأنت بغـير زاد
- فإذا تزود الحاج بالطعام والشراب والكسوة والنفقة؛ فقم وتزود بالإيمان والعمل الصالح، واملأ حقائب سفرك إلى الآخرة: صلاة، وصدقة، وصيامًا، وبرًّا وإحسانًا، وذكرًا وقرآنًا.
تـزود من التـقـوى فـإنـك لا تـدري إذا جن ليل هـل تعـيـش إلى الـفجـر
فكم من صحيح مات من غير علة وكم من عليل عاش حينًا من الدهر
وكم من فتى يمسي ويصبح لاهيًا وقد نسجـت أكـفـانـه وهو لا يـدري
وكم من عروس زيـنوها لزوجـها وقـد قـبضـت أرواحهـما ليلة الـقـدر
- إذا أسبل الحاج دموع الوداع وهو يعانق الصغير والكبير.. فتذكر ساعة الفراق حين تلتف الساق بالساق، وتخيب رقية الراقي، تشخص العينان، وترتخي اليدان، ويعرق الجبين، ويرتفع النحيب والأنين.
فاستعد لها بتعجيل التوبة، وإرضاء الخصوم، وكتابة الوصية، ولا يشغلنك حب أهلك عما خلقت له، فتمم العبودية لله -عز وجل-، واتق الله فيهم، واجعل منهم صدقات جارية لك بعد موتك ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ؛ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) (رواه مسلم) .
- إذا وصل الحاج الميقات فلن يتجاوزه حتى يحرم فاذكر ميقات عمرك، وهو ساعة لا تستأخر عنها ولا تستقدم: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) (الأعراف:34) .
- إذا تجرد الحاج لإحرامه، فخلع ثيابه، وعاد كيوم ولدته أمه.. فاذكر يوم يجردك مغسلك من ثيابك الزاهية، وزينتك الغالية، و"يناشينك العالية" ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) (الأنعام:94) .
اذكر ذلك حتى لا تخدعك أكاذيب الخيلاء، فالثوب ما ستر، والزينة مطلوبة في غير عجب ولا مخيلة ( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ؛ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ؛ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ ) (رواه البخاري) ، ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) (الأعراف:26) .
إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى تقـلب عريانـًا وإن كان كاسيًا
وخـيـر لـبـاس الـمـرء طـاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
أختاه.. وأنتِ تذكرين معنا ساعة تجردنا من ثيابنا على خشبة الغسل.. ألا يدعوكِ ذلك لستر بدنك بالحجاب، وطاعة رب الأرباب.
- إذا اغتسل الحاج لإحرامه، فاذكر غسلاً لا تتولاه بنفسك، وإنما يتولاه غيرك يصب عليك الماء البارد، فلا تضجر لبرودته، ويصب عليك الماء الحار فلا تصرخ لحرارته، يقعدك فتقعد، وينيمك فتنام، يقبضك فتنقبض، ويبسطك فتنبسط.. يا لرحمة الله!
لقد كنت قويًّا.. أين قوتك؟!
ما أضعفك؟!
لقد كنت فصيحًا.. أين لسانك؟!
ما أسكتك؟!
لقد ملأت الدنيا حركة.. أين حركتك؟!
ما أسكنك؟!
إذا لبس الحاج ملابس الإحرام، ولف أسفله إزارًا وأعلاه رداء؛ فاذكر ثلاث لفائف بيضاء ليس فيها عمامة ولا قميص تخرج بها من الدنيا.. أين ثيابك الغالية؟ أين أموالك؟!
أين دورك؟ وأين قصورك؟ أين أوسمتك؟ وأين أرصدتك؟!
انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن؟
- إذا أهل الحاج: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك.. "؛ فقف لتتعلم من هذا النشيد الذي يتردد في جنبات الدنيا:
1- أن الكلام والسمع صفتان لله -تعالى- نثبتهما من غير تشبيه ولا تمثيل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشوري:11) .
فالله هو الذي قال: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (الحج:27) ، والحاج والمعتمر يقول: "لبيك اللهم لبيك" اعتقادًا منه أن الله -عز وجل- يسمعه ويجيبه.
2- أن على العبد أن يستجيب لله -عز وجل- ويسارع إليه ولسان حاله: لبيك اللهم لبيك؛ فإذا سمع: حي على الجهاد؛ قال: لبيك اللهم لبيك.
وإذا سمع حي على الصلاة؛ قال: لبيك اللهم لبيك.
وإذا دعي للإنفاق؛ قال: لبيك اللهم لبيك.
وإذا دعي للبر والإحسان؛ قال: لبيك اللهم لبيك.