تذكير الناسك بأسرار المناسك
عبد المعطي عبد الغني • التزكية
وهكذا تصير التلبية منهجًا في حياته.. كلما دعي إلى خير عجل إليه: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) (آل عمرن:133) ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (الأنفال:24) .
3- أن الله -سبحنه وتعالى- أغنى الشركاء عن الشرك، فلا شريك له ولا ند له، ولا عدل له، ولا مثل له: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (الإخلاص) .
فيجعل عمله له وحده ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162) .
4- أن الله وحده هو المنعم: ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) (النحل:53) ، ولما كانت النعم منه وحده؛ كان مِن حقه أن يحمد وحده: "إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك".
إذا وقعت العين على بيت الله الحرام، فقلب صفحات التاريخ وقف عند كل صفحة من صفحاته:
فهذه صفحة تنبئك عن إبراهيم -عليه السلام-، وهو يرفع قواعد البيت يعاونه ابنه إسماعيل -عليه السلام- ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة:127) .
وهذه صفحة يطالعك فيها خبر أبرهة، وقد جاء يريد هدم البيت؛ فأهلكه الله بطير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول.
وهذه صفحة تخبرك بالصراع بين الحق والباطل حين جهر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالدعوة؛ فأوذي ونيل منه وهو صابر محتسب، فهنا خنقه عقبة بن أبي معيط، وهنا وضع سلا الجزور على كتفيه وهو ساجد، وهنا أوذي بلال، وهنا عذب خبيب، وهنا قتل ياسر وزوجته، وهنا صلى عمر وحمزة -رضي الله عنهما-.
وصفحة أخرى تذكرك بعودة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى البيت يوم الفتح، وأهل مكة يتوجسون خيفة، وهو يقول: ما تظنون أني فاعل بكم؟! اذهبوا فأنتم الطلقاء.
صفحات كثيرة تملأ القلب إيمانًا بالله -تعالى- وتصديقًا بوعده، ومحبة لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضي الله عنهم-.
- إذا وقف أمام الحجر يقبله أو يستلمه أو يشير إليه، فاذكر يوم اختلفت العرب أي قبيلة تنال شرف رفعه إلى مكانه حتى جاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووضع رداءه ووضع الحجر، وحملت كل قبيلة من طرف حتى وضعه النبي -صلى الله عليه وسلم- مكانه، واذكر أن الحجر شرف بتقبيل النبي -صلى الله عليه وسلم- له، فقبلت الأمة الحجر لا عبادة للأحجار، وإنما اتباعًا للنبي المختار -صلى الله عليه وسلم-، وعمر يقبله ويقول: "وَاللَّهِ إِنِّي لأُقَبِّلُكَ وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَأَنَّكَ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَبَّلَكَ؛ مَا قَبَّلْتُكَ" (متفق عليه) .
- إذا بدأ الحاج يطوف بالبيت وهو يلهج بالدعاء والذكر والاستغفار؛ فاذكر طوافك في عرصات القيامة تبحث عن حسنة فيفر منك أقرب الناس إليك: ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (عبس:34-37) ، واعلم أنك تطوف في الدنيا ومن حيث بدأ طوافك ينتهي ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) (الأعراف:29) .
إذا شرب الحاج من ماء زمزم وسعى بين الصفا والمروة؛ فلتذكر قصة الاستسلام واليقين والصبر والتوكل؛ أعني: استسلام إبراهيم -عليه السلام- عندما أمر بأن يأخذ ابنه إلى واد غير ذي زرع ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) (إبراهيم:37) .
ويقين هاجر -عليها السلام- لما سألت زوجها: "أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا" (رواه البخاري) .
وصبرها على وحشة المكان وقلة الزاد، وحسن توكلها حين راحت تأخذ بالأسباب ساعية بين الصفا والمروة حتى جاء الفرج، ونبعت "زمزم" المباركة بقدرة مَن لا يُضيِّع أولياءه.. مَن أمره بين الكاف والنون.. مَن يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء.
سيشرب الحاج من زمزم المباركة ونرتوي معه بماء الاستسلام لأمر الله -تعالى- والانقياد له، وسلسبيل اليقين، وحسن التوكل عليه.
- وإذا وقف الحاج بعرفة فما أشبه هذا اليوم بيوم العرض على الله -تعالى- الرءوس عارية، والأجساد بادية، والعيون باكية، والقلوب بين خوف ورجاء، والله يباهي بأهل عرفة أهل السماء، يقول: انظروا عبادي جاءوني شعثًا غبرًا ضاحين، فيا نعيم من قبله مولاه.. ويا سعادة من حطت ذنوبه وغفرت خطاياه!
- وإذا رمي الحاج الجمرات، فاستسلم لربك فهذا حجر نرميه بحجر، وارجم هواك المخالف لشرع ربك؛ فـ"الله أكبر".. مع كل حصاة تغرس في فؤاداك أن الله أكبر من تعلقك بوطنك.
و"الله أكبر" من حبك لمالك وولدك، والله أكبر من كل شيء.
- إذا نحر المتمتع والقارن هديه فاذكر ابتلاء إبراهيم -عليه السلام- في ولده وكيف استسلم لأمر ربه وكيف استسلم ابنه؟! ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) (الصافات:103) .
أيُّ ابتلاء ابتلاء الأنبياء؟!
وأي صبر صبرهم؟!
وكيف يأتي الفرج بعد الشدة: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) (الصافات:107) ، فيصبر المؤمن عند البلاء ويوقن أن اليسر مع العسر، وأن الفرج مع الشدة، فسلام على إبراهيم وإسماعيل في العالمين.
وهكذا تمضي الرحلة وفيها من الدروس والعبر ما يملأ القلب إيمانًا ويقينًا ورغبة ورهبة.
نسأل الله أن يبلغ حجاج بيته بيته، وأن يجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، وأن يرزقنا وجميع المسلمين حج بيته الحرام.