شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تنبيه الأفهام إلى فضل خير الأيام

محمد رجب • التزكية

فتأمل كيف صار النظر في سنة الله -تعالى- بتفاوت خلقه وتفاضلهم دليلاً على شهود عزته في كل فضل؛ عطاءً ومنعًا، فتحًا وإمساكًا، رفعًا وخفضًا، فأورثت تلك المعرفة القلبَ محبة لله -تعالى- وتعلقًا، وخشية وقلقًا، ورجاءً وتملقًا.

أما المحبة فإنه لما أطلعه -تعالى- على معاني أسمائه وصفاته، فتأكد في قلبه حب صاحب تلك الأسماء الجليلة والصفات الجميلة، والتعلق لما وجد من تلك الأسماء آثارها في قلبه، من التعزز به، والوثوق فيه، والتوكل عليه، والخشية من نفاذ مشيئته فيه وقضائه عليه بعدله، فيحوِّل عنه قلبَه، وتقضي عزته -سبحانه- بمنعه ما من قبل وهبَه. وقلق على فوات حظه منه، ومن محبته ورعايته، والرجاء لما وجد مطلق حكمه بالعطاء لا يحجزه شيء ولا يعجزه، فتولد في القلب طمع في واسع عطائه. والتملق ليتعبد بسؤاله، والتخشع بين يديه طلبًا لما عنده من الاصطفاء والتفضيل، ودفعًا لما يمكن أن تقضي به عزته فيكون.. من الإبعاد والتضليل، قضاء عزيز قاهر؛ فناسب أن يكون المتعبد به في هذا الموضع من أسمائه سبحانه: "العزيز".

ثم انظر كيف توصل القلب باسم العزيز ليتعبد لله -تعالى- باسم الغفور، لتحصل طمأنينة للقلب بعد ما تملكه الخوف والقلق من مضاء قضاء عزته -سبحانه-، فإذا به -تعالى- يدركه بلطفه ورحمته، ويذكره بعفوه ومغفرته، ومن ذلك المقام تشهد نكتة لطيفة فيما ثبت أن أكثر ما كان يقسم به -صلى الله عليه وسلم-: ( لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ) (رواه البخاري) ، وكان كثير الدعاء بقوله: ( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، فهو أعرف الخلق بالحق، وأعلم الناس بالله -تعالى-، وأقوم العباد بشهود تلك المعاني من العزة المطلقة التي تستوجب خشية تامة في قلبه -عليه السلام- والله تعالى أعلم.

ومن المعاني التي يجدها العبد بالنظر في فضل تلك الأيام كذلك: الالتفات إلى سوق الله لها إليه، فإنها مسوقة إليه، وهو محمول إليها، بلا سؤال منه ولا سعي. فهل تراه سأل الله سوقها؟ هل تراه طلب من الله تفضيلها؟ بل خلقها على وفق ما أراد، ثم ساقها للعبد، وما رتب فضلها على كسب العبد، بحيث لو طاب من العبد عمله طابت به تلك الأيام، ولو حسن من العبد كسبه بوركت هذه الأزمان، بل هي فاضلة في نفسها أحسن العبد أم أساء، طاب أم خبث، فهي فاضلة تحمل الخير والبركة، فحق ذلك أن يحدث في قلب العبد نوعًا آخر من أنواع مقامات الشكر، فما أكرم الله! وما أسبغ نعمه! وما أسبق جوده!

يسوق للعبد ما يطهره ولو تركه لهلك، بل يسوقه إليه بلا سؤال منه ولا طلب، ثم يستحب فيه أنواعًا من الطاعات التي سنها له بغير سؤال منه ولا طلب، ثم يتفضل بقبولها منه؛ وهو الغني -سبحانه- عنه، بل يطهره بها ويثيبه عليها بلا سؤال منه ولا طلب، فنعم الرب ربنا. فذلك الزمان الفضيل أيام تحمل بين ساعاتها مراتب زائدة من عبودية الشكر، فإن الله -تعالى- جعل الأزمان لغاية التذكر والشكران، فقال جل ذكره: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) (الفرقان:62) ، فحق تلك الأيام المخصوصة بالفضل أن يقابل العبد ذلك بمخصوص الشكر، فهو شكر من وراء شكر، شكر يستغرق من القلب كل شأنه حتى يستبد به، فالقلب يغمره حال الشكر والامتنان برؤية مزيد فضل المنان، لا يلفته عن شهود مزيد الفضل شئ، بل هو متوجه إلى ربه من كل جهاته مقرًا ومعترفًا بمنته وفضله، موقظًا في النفس همتها لتنبعث تحدث بنعمة الله -تعالى-.

وذلك الشكر المخصوص في مقابل مزيد الفضل لا يسلم من العبد حتى ينتظم من وراء أشكر الخلق -صلى الله عليه وسلم- مقتديًا بحاله المشرف -عليه الصلاة والسلام- ومقاربَه.

فإنه لما أنعم الله عليه بوافر النعم، وأكرمه بجزيل الكرم؛ قام لله شاكرًا، باطنًا وظاهرًا، بل قيام شكر باطنه أقام منه ظاهره حتى تورمت، بل تفطرت قدماه، ثم نبه على ذلك بقوله -عليه السلام-: ( أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا. ) (متفق عليه) .

فأفضل الأحوال حال نبينا -صلى الله عليه وسلم- في السر والعلانية، في الظاهر والباطن؛ قيامًا بحق شكر تلك النعم الجزيلة، وهذه المواهب الجليلة التي وهبه الله -تعالى-.

وفي ذلك انتقال لمعنى ثالث من نتائج النظر في تلك الأيام، وهو: أن عنوان ذلك الزمان الفاضل الذي أتاك بغير سؤال منك ولا طلب: عنوانه: "الانقطاع لله عن كل ما سواه"؛ ذلك أن لكل زمان فاضل عنوانًا، فعنوان زمان رمضان هو الامتثال بحبس النفس عما تشتهيه مما أبيح لها، فينشأ بذلك انقباض لحظوظها، وانكماش لدائرة الجائز لها فتبتعد عما لا يجوز، فانحسار المباح يكشف عن حرم جديد يكون بينه وبين الحرام، وهذا هو عين التقوى، وهي مقصود زمان رمضان وغاية عبوديته.

أما عنوان ذلك الزمان الشريف الآتي إليك في أيام ذي الحجة: فهو الانقطاع والتبتل والتجرد، بحيث ينقطع لله وينقطع عن كل ما سواه، وحق ذلك أن يكون على ظاهر العبد وباطنه، فيتلبس ظاهر العبد بالأعمال المشرفة، من وظائف الخدمة بطاعة الله -تعالى-، ويتلبس باطن العبد بالتجرد لله -تعالى- إخلاصًا وحبًا وقصدًا، فظاهره منشغل مستخدم في وظيفة من وظائف الخدمة والطاعة، وجوارحه مستأجرة في الأعمال الصالحات. وكذلك باطنه منشغل، قد استغرق قلبَه في تحقق التجرد والإخلاص والقصد لله، لا يتعلق بغيره، ولا ينظر إلى ما سواه، كل شيء سوى الله قد اضمحل، بل تلاشى ولا يجد له أثرًا بعد عين، ذهب عن قلبه وراح، يرجو ألا يعود.

فإن كان لا بد أن يعود؛ فحق تلك الأيام ألا يعود فيها، فلا يشوب فيها حقَّ التجرد والإخلاص والقصد والتوجه والمحبة والتعلق بالله -تعالى- شيء؛ فيتحقق ذلك الانقطاع وقد تلبس باطنه بحسن التجرد والقصد، ويتحقق ذلك الانقطاع وقد انشغل ظاهره بالوظائف. فلا تجد في تلك الأيام من العبد لحظات قد فرغت فيها جارحة عن انشغال بوظيفة من وظائف الخدمة والطاعات، بل جوارحه مستأجرة مستغرقة، لا يكاد العبد يرى من نفسه فراغًا في لحظات تلك الأيام، بل عاداته لا بد أن تتبدل في تلك الأيام، فما منه بدٌ تركه، وزهد فيه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية