شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تنبيه الأفهام إلى فضل خير الأيام

محمد رجب • التزكية

فحق تلك الأيام ألا تجعل زمانًا لفضول العادات، فإن لم يكن منه بد من أمور المعاش؛ استحدث لها في القلب نيات لم تكن فيما سوي تلك الأيام، نيات ترتحل بها تلك العادات إلى مواقع العبادات، بل عاداته تختلف في ظاهرها، تختلف صورها، فإن خرج لقضاء حاجاته؛ خرج بوجه آخر غير ذلك الوجه الذي يخرج به في غير تلك الأيام، خرج منبسطًا، باذلاً معروفه، قد أوقف على المسلمين كريم خلقه، علم أن تلك الأيام أيام انقطاع ووظائف؛ فبخل وشح بتلك اللحظات التي يقضي فيها حاجات لا بد له منها في تلك الأيام، شح بتلك اللحظات ألا تكون موظفة ومستغرقة كذلك في البر والطاعات، فكلماته اليوم تختلف عن سابق الكلمات، فمن سمع كلماته؛ قال: هذه كلمات تختلف، ومن رأى وجهه؛ قال: نرى وجهًا غير الذي كنا نراه، ونسمع صوتًا غير الذي كنا نسمع، فهذا من آثار انقطاع العبد مع الله.

وأكمل ما يكون من الأعمال لقيام تلك الحال في تلك الأيام المباركة هي: أعمال الحج، فالحج يحقق معنى التجرد عن كل ما سوى الله، فالحج ينزع عن العبد كل ما يعرض لأمر تجرده وانقطاعه، مما شغله قبل في سابق الأزمان، مما نازع في قلبه من قبل تجريد التعلق بالله، حتى إن ظاهره ليدل على مراده وغاية سعيه، فترى ذلك الانخلاع حتى أنه ينزع عن نفسه ثيابه، ينزع عن نفسه زينة الدنيا، يخلع رق الدنيا، لا يريد أن يكون بعد ذلك اليوم عبدًا لشيءٍ منها، فقد علم أن للخميصة عبيدًا، فلا يريد أن يتعلق قلبه بشيءٍ من تلك الدنيا، يخلع وينزع ، ولولا العورة؛ لحج بيت الله عاريًا!

فهو لا يريد من الدنيا متاعًا إلا ما يبلغه، فمتاعه في الحج بلاغ يتبلغ به، يشح بنفسه، يشح بوقته أن يضيع في غير ما ذكرنا من الانشغال بوظائف الطاعات.

فهذا التجرد في ظاهره والانخلاع عن زينة الدنيا وعن أسبابها لهو الدليل على ما حقه أن يكون في باطنه وقلبه من الانخلاع من أسباب الدنيا، من نزع ما يتعلق به القلب، أن ينزع من نفسه ما تعلقت به من تلك الأسباب والدعاوى، من: المِلك والكسب والحسب والجاه والمال والولد، فهو -الآن- في عملية استخلاص، فكأن نفسه تخلُص مما قد شابها، فإذا تم له الانقطاع ظاهرًا وباطنًا؛ فقد استنقذ نفسه بتخليصها، وحقه أن يرجع من حجه كيوم ولدته أمه، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) (متفق عليه) ،

فإذا فات العبدَ الحج؛ لم يفته ما فيه من الغايات، فإن فات العبد أكمل أحوال ذلك الزمان -وهو أن يتلبس بالانقطاع لله ظاهرًا وباطنًا عن كل ما سواه، قاصدًا بيته الحرام، متجردًا لله -تعالى- عن كل أسباب الدنيا-؛ فإنه لا يفوته تحقيق غاية ذلك، فغاية ذلك تنصرف إلى كل ما دون الحج من وظائف الخدمة والأعمال الصالحات، فما زال من العمل الذي لا يمكن أن يفوته الكثير، العمل الذي به يحقق تلك الغاية ولو في مرتبة أدنى من مرتبة الحج، فإذا ما صلى؛ استصحب ذلك المعنى، فانشغلت جوارحه بالانقطاع لله عن كل ما سواه، فأحسن الصلاة وأتم أركانها وواجباتها واعتنى بمستحباتها وسننها، خرجت منه صورة الصلاة على ما يرضى به الله، اقتداءً بما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم اعتنى في صلاته بأن يحقق الانقطاع والتجرد فيما طلب.

فتلك صلاة تختلف عن كل صلاة؛ هي صلاة صارت بدلاً عن الحج إلى بيت الله الحرام في تلك الأيام، صلاة يجرد فيها باطنه، يتخلص فيها قلبه من كل شائبة، ومن كل تعلق، ومن كل تفكر وتدبر إلا فيما يتلوا من كلام الله، إلا في إحسان ما تَعبده الله -تعالى-. فإذا صام فصومه غير الصوم الذي مضى وراح.

وإذا تصدق فصدقةً أخرى يتحقق بها غاية الحج، وإذا ما ذكر الله ذكره منقطعًا، منقطعًا بباطنه مخلصًا بنفسه من شائبة التعلق بكل ما سوى الله.

فهو يحقق بالأعمال -وإن صغرت في عين فاعلها- غاية الحج الأكبر، غاية الوقوف بعرفة، غاية الطواف، غاية السعي بين الصفا والمروة، غاية رمي الجمرات، غاية نحر الهدي، غاية فعل الصلوات في تلك البقاع المباركات، فتلك الأعمال المشرفات العظيمات لها غايات محمودات، وإن فاتت الأعمال؛ لم تفت العبدَ تلك الغايات والأحوال، فلا بد أن يستصحبها فيما دون ذلك مما أقدره الله عليه من الأفعال.

ولقد كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- على أتم الأحوال في كل الأزمنة والأمكنة، متحققًا في حاله المشرفة ما أمره به ربه فقال: ( وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا ) (المزمل:8) ، وقال -جل ذكره-: ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ( الأنعام:162-163) ، فهو أتم الأحوال وأرقى المقامات منقطعًا لله طوال حياته.

فتلك الأيام المسوقة إلى العبد مُعينة له أن يترقى ليُداني مقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما أعجزه طوال العام؛ فلا يعجزه تلك الأيام، فإنه يعان فيها على أن يحقق الانقطاع التام ظاهًرً وباطنًا لله؛ ليكون على حال تقارب حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ).

في كل الأزمنة، وفي شتى الأمكنة حتى آخر لحظات الحياة، فهكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أعجز حالُه كلَّ العباد، ما يستطيع أحد أن يأتي منقطعًا لله كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرحمكم الله، وأعانكم الله، وساق إليكم تلك الأيام التي يعان العبد فيها على الاقتداء والاهتداء بتلك الحال المشرفة التي كان عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من التبتل والانقطاع لله، وأن يقاربها بما فيها من أحوال مشرفة ظاهرًا وباطنًا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية