تنبيه الأفهام إلى فضل خير الأيام
محمد رجب • التزكية
فالمقصود والمفترض -الآن- أن يختلف الحال عما كان، أن يختلف حال العبد فيما يستقبل من تلك الأيام التي سيقت إليه عما يكون في غيرها، أيام تحمل إليه ويحمل إليها، بل ويحمل فيها على أعمال؛ ليحقق غاية كان النبي -صلى الله عليه وسلم- محققها على الكمال في كل حال؛ ليحقق في تلك الأيام غاية من أجلها كان تشريع الحج الأكبر، فإن فات العبد حج بيت الله؛ لم يفته أن يحقق تلك الغاية -والله تعالى أعلم-.
فائدة:
يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ ). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
فمما تقدم نفهم ذلك الإشكال الذي قد يعرض لبعض الناس: كيف يفضل العمل الصالح في تلك الأيام الجهاد في سبيل الله فإنه يفضل كل صور الجهاد إلا صورة، فالذي تفضل به العمل الصالح في تلك الأيام على كل عمل صالح ولو كان جهادًا في سبيل الله في غيرها من الأيام ما ذكرنا من المعاني والغايات أن حق تلك الأيام أن تستخرج من العبد همةً ونشاطًا بتحقيق الانقطاع فهو منشغل بعنوان تلك الأيام بغاية هذا الزمان، الانقطاع ظاهرًا وباطنًا لله.
فقدم ما فيها من عمل تحقق فيه التجرد لله -تعالى- عن عمل آخر في غير تلك الأيام مما قد يشوبه ما ينقص به ذلك العمل؛ إلا صورة عمل واحد، وهي صورة رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء، فإن الحاج -وهو أتم أحوال الأعمال- في تلك الأيام قد خرج بنفسه وماله، فإذا رجع؛ فقد رجع بشيء، فإن رجع المجاهد بشيء مثله لم يفضل عليه، بل فضل الحاج عليه لتحقيق غاية الانقطاع في تلك الأيام، فإن رجع الحاج إلى أهله؛ فإنه لا يفضُل من لم يرجع بشيء، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ ) والله أعلم.